وهذه الآيات وإن كانت في مورد المغفرة دون الخلود وعدمه ، إلّا أنّ تحقّق المغفرة كاف في رفع العذاب ، فضلا عن الخلود فيه . قال تعالى :
« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً » .
( النساء / 31 )
فالآية الكريمة صريحة في أنّ اللّه - سبحانه - يثيب ويجازى من اجتنب الكبائر بتكفير سيّئاته الصغائر . فسبحانه من إله ما أرحمه وأكرمه ! فالآية الكريمة محكمة دالّة على أنّ الصّغائر يكفّرها اللّه - سبحانه - ثوابا لمن اجتنب الكبائر . فلا ينبغي التمسّك لعدم الخلود في الصغائر بالإجماع . فإنّ الإجماع مع وجود الدليل يكون إجماعا مدركيّا .
وأمّا ضعف الجواب ؛ فقد عرفت أنّه مبنيّ على القول باستحقاق الثواب على الإيمان والأعمال . وهو ضعيف . لأنّ فائدة الإيمان والأعمال عائدة إلى نفس المكلّف ، لا إلى اللّه - سبحانه . فأيّ فائدة فيها تعود إلى اللّه تعالى ، كي يطالب ويؤاخذ بعوضها ؟ ! . وما أمرهم - سبحانه - بالعبادة والإيمان كي ينتفع بها . فهو - سبحانه - غنيّ عن عبادة العابدين . فهو تعالى هو المطالب - بكسر اللّام - فلا يقضي دينه أحد أبدا . فهو - سبحانه - متفضّل على عباده بوضع التكاليف العباديّة .
توضيح ذلك : إنّ الإيمان والإقرار به تعالى وبوحدانيّته وشؤون ذاته ونعوته ، بعد المعرفة به تعالى ، واجب بذاته ، لا بجعل جاعل . وأمّا التّكاليف العباديّة ، فهو متفضّل على عباده ، حيث أذن لهم أن يقوموا بين يديه ويكلّموه ويناجوه ويفيضوا إليه تعالى حوائجهم وأسرارهم وأن يتقرّبوا ويتشرّفوا إليه تعالى بالامتثال والانقياد له تعالى . وبعبارة أخرى : هو تحكيم شؤون العبوديّة بين العباد ومعبودهم والمربوبين مع ربّهم . وهذا هو الغاية الأقصى والمقصد الأسنى للعابدين الطّالبين فلا محصّل أن يطالب تعالى بأجور تلك العبادات ويأخذ أثمانها .
قوله تعالى :
« وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ
( 18 ) » .