يعرف كلّ شيء .
قوله تعالى :
« يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً » .
بيان : من قرأ بنصب اليوم ، فعلى إضمار اذكر ونحوه . ومن قرأه بالرّفع ، فعلى أنّه بدل أو بيان من اليوم في « يوم الدّين » . أي : إنّ يوم الّدين يوم الّذي لا يملك أحد لنفسه ولنفس أخرى شيئا من النّصرة والشفاعة والفدية ولا حميم ولا خليل ؛ وقد ضلّت عنهم آلهتهم وتبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا .
قوله تعالى :
« وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
( 19 ) » .
بيان : ليس المراد أنّ الأمر في هذا اليوم للّه ، وفي غيره من الأيّام لغيره تعالى ، أو له تعالى ولغيره - سبحانه . بل ربّنا - جلّ مجده - هو المتفرّد والمتوحّد بمالكيّة الأمر اليوم وفي يوم الدين ، في عرض سواء من غير فرق بين يوم ويوم . فالظاهر أنّ المراد منه هي مواقف الآخرة وأنه كيف يذلّ المستكبرين ويقبض عنهم القدرة والكبرياء ويسلب عنهم المواهب والنعماء ، فاستكانوا لعزّته . فتجلّت مالكيّته تعالى في هذا اليوم بأتمّ مجاليها - وكلّ مجاليها تامّة - فتصير ضروريّة عند الكلّ ؛ يعرفها ويعترف بها جميع الناس ؛ من عرفها في الدّنيا ومن لم يعرف ، ومن لم يعترف . قال تعالى :
« وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً » .
( طه / 111 )
« وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً » .
( طه / 108 )
فإن قلت : كيف يمكن نفي الشفاعة الّتي قامت على تحقّقها ووقوعها محكمات الكتاب والسنّة ؟ !
قلت : الشّفاعة المنتفية هي الشّفاعة من دون إذن اللّه ومن دون أمره - جلّ شانه . وأمّا الشّفاعة الثابتة ، فهي ما كانت بإذن اللّه وبأمره ؛ سواء كانت في الدّنيا ، أو في البرزخ وما بعده من مواقف الآخرة إلى موقفها النهائيّ ، من دون اختصاص بالدّنيا أو بالآخرة ، أو بموقف خاصّ من مواقف الآخرة . فالمذنبون يستشفعون بأمر اللّه ؛ والشّافعون يشفعون بإذن اللّه . وهذا هو العبوديّة الحقيقيّة والتوحيد الخالص .