تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
الأزكياء المتّقين . وهذا الخطاب متوجّه إلى العابس الّذي أبهم - تعالى - ذكره ، لا إلى شخص بعينه ، ولا إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - على ما سيجيء بيانه - إن شاء اللّه . ثمّ زاد تعالى في الإنكار والتوبيخ على العابس ، بأنّه كان من سيرته وسنّته أنّه إذا رأى من استغنى ، أقبل عليه بوجه بشّاش ؛ وإذا جاءه مؤمن أعمى يخشى اللّه ويراقبه ، يتغافل ويتلهّى عنه . بل لا يبعد أن يقال : إنّ هذه الآيات ليست مسوقة لحكاية مجيء المؤمن الفقير الأعمى بعينه إلى شخص بعينه . وإنّما هي عتاب عليه ، لأنّه عبس وتولّى ؛ وتوبيخ وإنكار عليه ، لأنّه كان من عادته إكرام الأغنياء والإقبال عليهم ، واحتقار الفقراء والإعراض عنهم . وهذا السّياق قرينة قاطعة على أنّ المعاتب بهذا العتاب الشّديد غير رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . وهو مذهب المفسّرين من الإماميّة . وهو الحقّ المبين ؛ لقيام الضرورة بأنّه كان بارّا رؤوفا للمؤمنين ، وما كان من عادته وسيرته تعظيم الأغنياء وتقديمهم على الفقراء ، ولا احتقار الفقراء من المؤمنين . وقد أثنى اللّه تعالى عليه - صلّى اللّه عليه وآله - في القرآن الكريم ثناء جميلا وقال :
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » .
( القلم / 4 )
« لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ . . .
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » .
( التوبة / 128 ) كيف ؟ ! وقد أدّبه اللّه - سبحانه - في مأدبة القدس والطّهارة ، فهو - صلّى اللّه عليه وآله - مصون ومعصوم ومطهّر من رذائل الأخلاق . وأمّا المفسّرون من العامّة - على ما رأينا من كلماتهم - فقد قالوا : إنّ هذا التوبيخ والعتاب متوجّه إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . واعتمدوا في ذلك على روايات أوردها في شأن نزول هذه الآيات ؛ وملخّصها : إنّ عبد اللّه بن أمّ مكتوم الأعمى جاء إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - يسأله أن يعلّمه شيئا ممّا علّمه اللّه . وكان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - يناجي أشراف قريش ، وكان مشتغلا بهم . فقطع عبد اللّه كلامه - صلّى اللّه عليه وآله - فكرهه رسول اللّه ، وعبس عليه ،