أوردها في المجمع 8 / 41 في تفسير الآية في سورة الروم . من أرادها فليراجعها . وهذه الآية في سورة الروم شارحة لجميع الآيات الواردة في هذا الباب . فإنّها صريحة في أنّ قولهم أنّهم ما لبثوا غير ساعة ، كان كذبا وجهلا . فإنّ قوله تعالى :
« كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ »
يدلّ على أنّ هذا سنّتهم وعادتهم الّتي استمرّوا عليها في الدّنيا وفي الآخرة أيضا .
فقوله تعالى في الآية المبحوثة :
« كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها »
وفي سورة الأحقاف :
« كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ »
وفي سورة يونس :
« ساعَةً مِنَ النَّهارِ »
كان عن إفك منهم - وقد قال تعالى :
« وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ »
( المؤمنون / 100 ) - فقال لهم الّذين أوتوا العلم والإيمان من الأنبياء والشّهداء والصدّيقين : لقد لبثتم في كتاب اللّه بعد الدنيا في البرزخ ، أو في الدنيا والبرزخ ، أمدا طويلا إلى يوم البعث . فهذا يوم البعث . فهو معلوم عند اللّه - سبحانه - وعند حملة علمه وكتابه .
وقوله تعالى :
« وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
تصريح أيضا على أنّ قولهم بأنّهم ما لبثوا غير ساعة ، قد كان عن جهل منهم وخرافة عن الرأي . قال تعالى :
« فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً . يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا » .
( الإسراء / 51 و 52 )
أقول : النغض : التحريك . فهذه الآية أيضا ناصّة على أنّهم يخرجون من قبورهم مجيبين لدعوة الدّاعي ، ولا يدرون أنّهم لبثوا فيها قرونا ، بل يظنّون أنّهم ما لبثوا فيها إلّا قليلا .
فقد تبيّن من جميع ما ذكرنا ، أنّ التقريب والتمثيل في قوله تعالى :
« كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها . . . »
إنّما هو حكاية عن حالهم وقولهم عند قيامهم من القبور ، وعند أوّل ما يشاهدون أوضاع السّاعة ، وأنّهم هكذا يؤفكون ويظنّون ، لا أنّ اللّه يخبر أنّ الأمر كذلك بحسب الواقع .
قال في القاموس 4 / 362 : والعشيّ والعشيّة : آخر النّهار . ج : عشايا وعشيّات .