وكذلك لا تنافي أيضا بين هذه الآية ونظائرها ، وبين قوله تعالى :
« إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ »
( فاطر / 18 ) وقوله تعالى :
« إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ »
( يس / 11 ) وقوله تعالى :
« لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ » .
( يس / 70 ) فإنّ جميع ذلك أدلّة مثبتة وردت بضرب من العناية المناسبة بذلك المورد ، لا لإفادة الانحصار بالمورد المذكور . وأمثال ذلك كثير في القرآن .
فعلى ذلك لا يستقيم تأويل الآية المبحوثة ونظائرها بأنّ المراد فيها أي : أنت منذر جميع الناس . ولا يجوز أن يقال : إنّ المراد من خشية السّاعة الخشية الشأنيّة ، لا الخشية الفعليّة .
قوله تعالى :
« كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
( 46 ) » .
بيان : قد كثر في كلامه تعالى ذكر قرب السّاعة وقرب ما يوعدون من العذاب وما يستعجل به الكفّار . فالآيات الواردة في هذا الباب بعضها في مقام التّسلية للموحّدين والصبر على تكذيب الكفّار واستهزائهم . قال تعالى :
« فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ » .
( الأحقاف / 35 )
ومنها ما وقع في جواب المستعجلين بالسّاعة والسائلين عن وقت قيامها . قال تعالى :
« يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها » .
( الشورى / 18 )
« وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ » .
( يونس / 45 )
« وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ . وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » .
( الرّوم / 55 و 56 )
أقول : الآيات قريبة السّياق وقريبة المورد . وقد اضطربت أقوال المفسّرين ؛