بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره . فقال :
يا مفضّل ، إنّ اللّه - تبارك وتعالى - جعل للنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - خمسة أرواح : روح الحياة ، فبه دبّ ودرج ؛ وروح القوّة ، فبه نهض وجاهد ؛ وروح الشّهوة ، فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال ؛ وروح الإيمان ، فبه أمر وعدل ؛ وروح القدس ، فبه حمل النبوّة . فإذا قبض النبي - صلّى اللّه عليه وآله - انتقل روح القدس فصار في الإمام .
وروح القدس لا ينام ، ولا يغفل ، ولا يلهو ، ولا يسهو . والأربعة الأرواح تنام ، وتلهو ، وتغفل ، وتسهو . وروح القدس ثابت يرى به ما في شرق الأرض وغربها وبرّها وبحرها .
قوله تعالى :
« وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ
( 3 ) » .
بيان : المنّ بمعنى القطع . قال في لسان العرب 13 / 195 : منّه يمنّه منّا :
قطعه . والمنين : الحبل الضّعيف . وحبل منين : مقطوع . وفي التهذيب : حبل منين : إذا أخلق وتقطع . والجمع : أمنّة ومنن .
والمعنى : إنّ اللّه يعطي لرسوله أجرا بما شاء وكيف شاء ، متّصلا ومداوما في الدّنيا والآخرة ، على نحو التفضّل . واللام في
« لَكَ »
ليست لبيان الاستحقاق والاستيجاب ، بل لبيان تخصيصه وتكريمه تعالى إيّاه - صلّى اللّه عليه وآله - والتفضّل عليه بهذا الأجر الكبير .
توضيح ذلك : إنّ اصطفاءه تعالى حبيبه ورسوله بكرامة النبوّة والرسالة ، أبهى نعمة وأجلّ كرامة وفضل ابتدائيّ من اللّه - سبحانه . وكذلك تأييده وتسديده بالعصمة وبروح القدس ، كرامة بارزة أخرى . فصار رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - من المصطفين الأخيار ، وله قدم صدق ومكانة عند اللّه - سبحانه . وتأييده وتسديده في مرتبة البلاغ والتعليم كرامة على كرامة .
« يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » .
( المجادلة / 11 ) سبحانك ما أحسن وفاءك ! وما أجلّ كرامتك على أوليائك وأحبّائك !
فعلى هذا ، فهو - صلّى اللّه عليه وآله - رهين مننه تعالى الجليلة الجميلة