أخرى : وقاهم ما يخافون وأعطاهم ما يأملون .
والظّاهر أنّ التعبير بصيغة الماضي بعناية أنّ وعده تعالى في أمثال المقام واقع البتّة . فإنّه سبحانه صادق الوعد ووافي القول لا يخلف الميعاد . ونظير هذا غير عزيز في كلامه تعالى . فإنّه تعالى قد أخبر بما سيكون بلفظ ما كان ، اهتماما بتحقّقه ووقوعه .
قوله تعالى :
« وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا » .
تقدير وتشكّر لحسن صنيعهم وعلى صبرهم صبر الكرام الأحرار ؛ أي :
صبرهم على الطّاعات وزجر أنفسهم عن المعاصي والشهوات ، وخاصّة صبرهم على مرارة الجوع وبذل ما كان في وسعهم وإيثار الغير على أنفسهم الكريمة مع شدّة الحاجة إليه . وهذه سنّة الكرام ودأب الأحرار . وهذه الّتي من عاداتهم إحدى المعالي ؛ وقس عليها ما سواها .
والباء في قوله تعالى :
« بِما صَبَرُوا »
للمقابلة . ولا دلالة فيه على المقابلة بالحقيقة . بل اللّه - سبحانه - هو المتفضّل بالجزاء عند الطّاعة والتقوى والمتفضّل بالجزاء والزيادة أيضا ؛ يضاعف لمن يشاء بما يشاء كيف يشاء .
قوله تعالى :
« جَنَّةً وَحَرِيراً
( 12 ) » .
الجنّة في اللغة بمعنى البستان . والمراد في أمثال المقام ، هي القصور والبيوت المجلّلة المزيّنة بأنواع من التجليل والتزيين . ولعلّ وجه التسمية بالجنّة ، لما فيها من أنواع الأشجار المحتفّة بها والأنهار الجارية فيها . قال تعالى :
« مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » .
( سورة محمّد - صلّى اللّه عليه وآله / 15 )
وفي هذه الآيات ، على كثرتها وتنصيص دلالتها ، شهادة قاطعة على بطلان ما ذكره بعض الأعاظم من الصّوفيّة من أنّ الجزاء عين الأعمال بعد تجرّدها عن المادّة في عالم المثال دون الكمّ .
توضيح ذلك : إنّه قد تقرّر في محلّه بحسب قطعيّات الكتاب ومحكماته