بيان :
الآيات الكريمة مسوقة لبيان كرامته تعالى على أوليائه الأبرار وتشريفهم وتجليلهم بالعزّة والمنعة ، وما وهبهم اللّه من هذه الجنّة العريضة الواسعة ، وما أعدّ اللّه فيها من النعم المختلفة ، مع السّرور الدائم والعافية الباقية والحياة الخالدة ، وبما وهبهم اللّه تعالى من بسط السّلطة وافتراض الطّاعة ونفوذ الأمر على جميع من خلقه اللّه في هذه الجنان لأوليائه من الخدّام والحشم ومدبّري أمور الجنّة وشؤونها .
قوله تعالى :
« فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
( 11 ) » .
الوقاية : المحافظة والمنع . وتستعمل أيضا في مورد المنع بالحائل والحاجز حسّيّا كان أو معنويّا .
والمراد بالشرّ شدائد يوم القيامة وأهوالها ومصائبها . والشرّ يقابل الخير ؛ كما أنّ القبيح يقابل الحسن . والشرّ قد يكون حسنا واجبا على اللّه - سبحانه - مثل إعمال العدل والانتقام من الظّالمين والعصاة والجناة . ومن زعم أنّ الشّرّ والقبيح متّحدان مصداقا ، فقد أخطأ خطأ بيّنا . وكذلك قول من يقول : إنّ الشّرور أعدام . والحقّ أنّ الشرّ بحسب التكليف الشرعيّ يتّصف بالاستحباب والكراهة والتحريم والإباحة والوجوب .
وقوله تعالى :
« وَلَقَّاهُمْ »
- بالتشديد - من لقي يلقى بمعنى الملاقاة .
والمراد في المقام أنّ اللّه - سبحانه - يواجههم ويستقبلهم بما يؤتيهم من النضارة في الوجه والمسرّة في القلب . والنضرة بمعنى الطراوة في الوجه وما فيه من أثر النعمة والرفاه والعافية .
وقد مدح اللّه - سبحانه - هؤلاء الكرام في قوله :
« يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً .
وأخبر - سبحانه - أيضا أنّهم إنّما يطعمون الطّعام لأجل مرضاة اللّه وقالوا :
« إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً » .
ثمّ أكرمهم بتبشيره إيّاهم بأنّه وقاهم من شرّ هذا اليوم وأعطاهم ما يرجون من ثوابه . وبعبارة