تَشْكُرُونَ
( 23 ) » .
بيان : السّمع والبصر من عجائب خلقه تعالى ، ومن أجلّ نعمه ومواهبه تعالى على عباده . قال أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - في نهج البلاغة / 470 :
« اعجبوا لهذا الإنسان ! ينظر بشحم ، ويتكلّم بلحم ، ويسمع بعظم ، ويتنفّس من خرم ! »
وحيث إنّ حقيقة الروح ليست عين الشّعور والدرك ، بل إنيّة فقيره محتاجة إلى إفاضته تعالى الدرك والشّعور عليها ؛ وحيث إنّ نظام حياة الإنسان ومعاشه لا يمكن إلّا بالعلم بجميع ما يحتاج إليه ، مثل الغرس والبناء والصنائع والحرف وغيرها من أصناف العلوم وأنواعها إلى ما يعسر إحصاؤها ، وهذا النوع من العلم لا يمكن إلا بالبصر ، فالروح الشّاعر الحيّ يرى ويشهد بالحقيقة بتوسّط الشحمة جميع ما في الخارج إحاطة وعيانا . وبه يتسلّط على جميع أنواع الصنائع والفنون .
وكذلك بتوسّط السّمع أيضا يدرك ويشعر جميع ما يمكن دركه من المسموعات عيانا وإحاطة .
وآفة السمع والبصر ليست إلّا بفقدان العلم والشعور ؛ مثل النوم والغشية ونظائرها ، أو آفة نصيب بأدواتها كالشحمة والعظمة والعروق الرابطة في هذا الباب .
وأمّا كيفيّة نفوذ الروح بالشّعور والعلم على أعضاء الإنسان وعروقها ؛ فاللّه يعلم .
فلا يخفى أنّ هذا الامتنان منه تعالى بالسّمع والبصر ، ليس مختصّا بشخص دون شخص ، وبقوم دون قوم ، بل عامّة بالنسبة إلى جميع الخلق ، والكلّ مستفيضون ومستفيدون من السّمع والبصر . وبقاء الدنيا منوط بوجود العلم بهما .
ولو قبض اللّه - سبحانه - هذا العلم عن وجه الأرض انحلّ النظام ، وخربت الدنيا .
وهذا من موارد معنى الرحمانيّة العامّة الإلهيّة الواردة في لسان أئمّة أهل البيت - عليهم السّلام - الشاملة للمؤمن والكافر والبرّ والفاجر والصديق والعدوّ .
وهذه الرحمانيّة الإلهيّة مستندة إلى الفضل والحكمة ، لا إلى العطوفة والرقّة .