قوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ » .
بيان : الإنشاء ليس مرادفا للخلق ولا للإيجاد .
قال الراغب في مفرداته / 493 : الإنشاء : إيجاد الشيء وتربيته - وذكر عدّة من الآيات ثمّ قال : - فهذه كلّها في الإيجاد المختصّ باللّه .
وفيه : أنّ الإنشاء ليس مرادفا للخلقة ولا للإيجاد . والإيجاد مضادّ للإنشاء بالمعنى الّذي سنذكره - إن شاء اللّه . فإنّ الإيجاد لا ينافي القدم والأزل .
قال في لسان العرب 14 / 134 : أنشأ اللّه الخلق ؛ أي : ابتدأ خلقهم .
وفيه : انّ الإنشاء ليس مرادفا للبدء والابتداء . لأنّ الإنشاء متعدّ والبدء لازم . فإنّ البدء بمعنى الشروع .
وقد قيل : الإنشاء بمعنى الإحداث .
أقول : لو قلنا إنّ الانشاء بمعنى الإحداث ، لا بدّ من الالتزام بأنّ المراد من الإحداث أن يكون مسبوقا بالعدم الصّريح ونفي أزليّته ، أي بمعناه اللّغويّ لا المعنى الاصطلاحيّ . قال في لسان العرب 3 / 75 : الحديث : نقيض القديم . . . ولا يقال : حدث - بالضم - إلّا مع قدم كأنّه أتباع . . . والحدوث كون شيء لم يكن وأحدثه اللّه ، فحدث . وحدث أمر ؛ أي : وقع . ومحدثات الأمور : ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء الّتي كان السّلف الصّالح على غيرها .
قال في المجمع 9 / 329 : « هو الّذي أنشأكم » بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود .
أقول : وفي العبارة ضعف ومسامحة . إذ لا محصّل أن يخرج شيء من العدم .
والظاهر أنّ مراده هو ما ذكرناه ؛ أي ما كان مسبوقا بالعدم . وهذا هو الأنسب بالمقام .
قوله تعالى :
« وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما