قوله تعالى :
« فَخَلَقَ فَسَوَّى
( 38 ) » .
الخلق في الأصل بمعنى التقدير . وقيل : إنّه استعمل في الإيجاد . والظّاهر أنّه الإيجاد عن تقدير ، أو هو في مورد الإيجاد عن تقدير .
وقوله تعالى :
« فَسَوَّى » ؛
أي : جعله إنسانا تامّا كاملا يعقل ويفهم ؛ كما في قوله تعالى :
« وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً »
( القصص / 14 ) . وقد أشبعنا الكلام في الأبحاث السّابقة أنّ معنى التسوية استكمال خلقة الشيء إلى الحدّ الأوفى منه . وذكرنا له شواهد وأدلّة كافية .
قوله تعالى :
« فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
( 39 ) » .
ليس جعل بمعنى خلق ، بل فيه عناية لبيان شيء من إتقان صنعه تعالى وإعمال ربوبيّته في تنظيم أمر الخلقة ؛ إذ قرّر فيه أن يكون أمر الخلقة بالزوجين الذكر والأنثى إبقاء للنوع وإدامة للنسل . أي : إنّ الإنسان خلقه تعالي من منيّ يمنى ، فجعل بعضه ذكرا وبعضه أنثى .
هذا بناءا على رجوع الضّمير في قوله :
« مِنْهُ »
إلى
« الْإِنْسانُ »
كما ذكره بعضهم . وأمّا بناءا على رجوع الضمير إلى
« مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى »
أي : جعل من المنيّ بتدبيره وعنايته العمديّ في أمر النطفة في الرحم الزّوجين ذكرا وأنثى .
والظّاهر أنّ هذا المعنى هو الأنسب بسياق الآية الكريمة . إذ ليس غرض الآية أنّا خلقنا الإنسان من منيّ ، وقرّرنا أنّ منه - أي بعضه - إناثا وبعضه ذكورا . بل الظّاهر أنّ الغرض أنّا خلقنا الإنسان من المنيّ ، فجعلنا من المنيّ الزوجين ، وقوله تعالى :
« الذَّكَرَ وَالْأُنْثى »
بيان للزوجين . وبعبارة أخرى : فرق بين تقسيم الإنسان المخلوق من المنيّ إلى الزوجين الذكر والأنثى ، وبين جعل الزوجين من المنيّ .
قوله تعالى :
« أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى
( 40 ) » .
هذا هو موضع العبرة . ونتيجة الاحتجاج والاستدلال على ما ذكرناه سابقا ، أنّه لا فرق بين إيجاد شيء بعد عدمه وبين إعادته بعد فنائه ، بالنسبة إلى العلم والقدرة الغير المتناهية ؛ وليس أحدهما أهون من الآخر عليه تعالى ، ولا