يعني : إنّا كنّا نسمع كلامهم وصدق مقالاتهم ، وندرك بحقيقة عقولنا وجوب تصديقهم والإيمان والتسليم بما جاؤوا من ربّهم . وأقرّوا أنّهم لو كانوا يعقلون ويسمعون ما جاء به الرسل ، ما كانوا هالكين .
قوله تعالى :
« فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ » .
( 11 )
قال في لسان العرب 6 / 164 : والسحق : البعد ، وكذلك السحق ؛ مثل عسر وعسر . وقد سحق الشيء - بالضم - فهو سحيق ؛ أي : بعيد .
أقول : وهذا دعاء منه تعالى على الكافرين . وواضح أنّ دعاءه تعالى على أحد ، ليس كدعاء بعض الناس على بعضهم ، كي ينتظر إجابته من اللّه - سبحانه - بل دعاؤه تعالى على أحد عين حكمه تعالى ونفاذ قضائه الحكيم على هلاكه وطرده وإبعاده من رحمته وكراماته .
بحث وتحليل
قد ذكرنا في تفسير سورة الفاتحة أنّ أسماءه تعالى موضوعة له - سبحانه - بالوضع الشخصيّ ، والواضع هو اللّه - سبحانه - بعناية نعت خاصّ من نعوته سبحانه . فهذه الأسماء الكريمة ، في عين كون مصداق جميعها واحدا بالحقيقة ، متغاير بالعنايات الملحوظة في كلّ واحد من أسمائه - سبحانه . وليس الأسماء الكريمة من قبيل المترادفات . فلا يجوز تفسير بعضها ببعض - مثل تفسير المدبّر بالربّ وبالعكس - لاستلزام الإخلال في معاني أسمائه تعالى .
مثلا : العبد المؤمن إذا عرف ربّه تعالى بتعريفه تعالى نفسه إليه بعناية أنّه تعالى كريم رؤوف ودود بارّ عطوف ، فلا محالة يرغب إليه تعالى ويرجوه ، ويسكن نفسه إلى كرمه ، ويرفع عنه الاضطراب في حوائجه وشدائده . وهكذا الكلام في جميع أسمائه تعالى .
إذا تقرّر ذلك ، فنقول :
قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ » .
( 12 )
الظّاهر أنّ الخشية عبارة عن معرفة المؤمن بتعريفه تعالى نفسه إيّاه بعناية أنّه