يستحيل عليه أن يجعل المتّقين كالفجّار ، فاللّه تعالى يعرف المتّقين ويحبّهم وينظر إليهم بنظراته الرحيمة ، ولا يشتبه عليه المتّقي من غيره . وأمّا عباده سبحانه فلا تجد أكثرهم شاكرين فسنّتهم وسيرتهم كفران إحسان المحسنين ومواهب المنعمين .
وقد كفر كثير منهم بنعمه تعالى وبما يجري عليهم بوساطة أوليائه وأنبيائه .
قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ » .
( 116 )
تهديد للكافرين بأنّ الدّنيا وما فيها من الأموال والأولاد لا تدفع عنهم ما سيرد عليهم من عذاب اللّه وسطوته بل هم سيدخلون النّار ، فلا دافع عنهم ولا مانع . وهم مصاحبو النار وملازموها من دون توقيت بل هم فيها خالدون .
قال تعالى :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ » .
[ المسد 11 ) 1 و 2 ]
وقال تعالى :
« وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى * وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى »
[ اللّيل ( 92 ) / 8 - 11 ]
قال في التبيان 2 / 568 : والغنى الاختصاص بما ينفي الحاجة . فإن اختصّ بمال ينفي الحاجة فذلك غنى . وكذلك الغنى بالجاه والأصحاب وغير ذلك . فأمّا الغنى في صفة اللّه فاختصاصه بكونه قادرا على وجه لا يعجزه شيء . وقولنا فيه :
إنّه غني . معناه أنّه لا يجوز عليه الحاجة .
أقول : كأنّه أراد أنّ منشأ الغنى هي القدرة ، وفيه أنّ اللّه تعالى غنيّ في قدرته وقادر في غناه ، فتفسير الغنى بما لا يعجزه شيء ، غير مستقيم ، فإنّ الغنى والقدرة ليسا بمترادفين . على أنّ إرجاع النعوت والكمالات إلى المعاني السلبيّة التزام بعدم معرفة كمالاته ونعوته سبحانه .
قوله تعالى :
« مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ