قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ » .
قال في لسان العرب 15 / 402 : وقد توقّيت الشيء وتقيته وأتقيه تقى وتقيّة وتقاء : حذرته . . . والاسم التّقوى . التّاء بدل من الواو ، والواو بدل من الياء .
الأمر بالتقوى حقّ عام يشمل جميع المؤمنين وهو أمر ممكن ومتحقّق منهم جميعا كلّ على حسب مرتبة كماله وإيمانه ، فيسلكون في هذا السبيل ويسيرون في منازله ، ويتّبع اللّاحق منهم السابق بإذن اللّه تعالى . وربّما يتقدّم اللّاحق ويتأخّر السابق . فالآية الكريمة مقيّدة في الواقع بالاستطاعة فتكون التّقوى والتحذر واجبا على كلّ مؤمن من المؤمنين بقدر استطاعته ، فمن راقب ربّه تعالى بقدر استطاعته وطاقته فقد اتّقى اللّه حقّ تقاته ، فعلى هذا يكون مفاد هذه الآية الكريمة عين مفاد قوله تعالى :
« فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » .
[ التغابن ( 64 ) / 16 ]
توضيح ذلك : إنّ الأحكام التعبّديّة الشرعيّة قد وضعها اللّه تعالى على العباد دون ما يطيقون ودون ما يستطيعون ، واجبة كانت أو محرّمة . والأحكام العقليّة الواجبة أو المحرّمة ، والفضائل والرذائل الأخلاقيّة كلّها مقيّدة بقدر الاستطاعة عقلا . وموضع التّقوى والحذر هي هذه الأحكام الشرعيّة التعبّديّة والعقليّة . فمن عمل بالواجبات وترك المحرّمات بقدر استطاعته فقد اتّقى اللّه تعالى حقّ تقاته .
ثمّ إنّ التقوى لمكان كونها حكما إرشاديّا لا يختصّ بقوم دون قوم ، فكلّ الناس يجب عليهم القيام بوظيفة التقوى والتحذر بالضرورة على قدر معارفه وكمالاته بما استطاع .
والظاهر أنّ قوله تعالى :
« اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ »
سيق للتذكير بمقام الرّبّ تبارك وتعالى والمراقبة التامّة لجلاله وكبريائه .