خطاب لأهل الإيمان وتذكير لهم بأنّهم إن يطيعوا فرقة من الّذين أوتوا الكتاب - سواء كانت من كفرة النصارى أو خونة اليهود - فلا محالة يضرونكم في دينكم ودنياكم ، حتّى لا تنالوا السعادة والسيادة في حياتكم ومماتكم .
قوله تعالى :
« وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » .
( 101 )
الظاهر أنّ الخطاب للّذين كفروا بعد إيمانهم . ويمكن أن يكون الخطاب لغير المؤمنين مطلقا . فالمعنى : لا ينبغي لكم أن تكفروا باللّه وكتاب اللّه بين أيديكم ؛ وهو الحجّة القائمة ، والنور الساطع ، يخرجكم من الظلمات إلى النور ، ويدحض شبهات المرتابين والجاحدين ، ببيّناته وبياناته ، وفيكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ؛ وهو العلم الهادي في اللّيالي الطّخياء الدّاجية . فالتمسّك بهذين النورين الجليلين أوفى وأكمل في هدايتكم من الضلالة والجهالة .
ولا يخفى أنّ التمسّك والاعتصام بهاتين الآيتين وإن كان اعتصاما بحبل اللّه ؛ إلّا أنّ العناية في الاعتصام بهما غير العناية الّتي روعيت في قوله تعالى :
« وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ . . . » ،
فليس التمسّك والاعتصام بكتاب اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مصداقا للاعتصام الّذي جاء في قوله تعالى :
« وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ » .
فعلى هذا يكون المعنى : إنّ من حفظ نفسه وتحصّن في ولاية اللّه وحصنه الحصين واعتصم بها ، فقد وعد اللّه سبحانه له أن يهديه سبله . قال تعالى :
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » .
[ العنكبوت ( 29 ) / 69 ]
فقد جرت سنّة اللّه الكريمة الفاضلة الحسنة بهداية المهتدين وبمزيد الهداية لهم ، وقد وعد اللّه سبحانه بذلك ، وهو سبحانه صادق الوعد ونافذ العدة ووافي القول . قال تعالى :
« وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ » .
[ محمّد ( 47 ) / 17 ]
و
« وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً » .
[ مريم ( 19 ) / 76 ]
و
« اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » .
[ البقرة ( 2 ) / 257 ]