تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
الإسلام الظاهري الّذي به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث فإنّ هذا الأثر إنّما هو لهذا الإسلام الظاهري الّذي يجمع مع النفاق والضلال أي : عدم الانقياد الباطني للحقائق . في دعاء أبي حمزة الثمالي قال عليه السّلام : فإنّ قوما آمنوا بألسنتهم ليحقنوا به دماءهم فأدركوا ما أمّلوا وإنّا آمنّا بك بألسنتنا وقلوبنا لتعفو عنّا فأدركنا ما أمّلنا وثبت رجاءك في صدورنا . . . فتلخّص أنّ المقام مقام التشكّر والتقدير لهذا العمل الخطير وأنّه دعوة إلى اللّه وتعظيم له ، وأنّ هذا الدعاء منهما وأمنيّتهما المقدّسة إنّما هو لأجل الدعوة إلى التوحيد وثباته وبقائه ببقاء الدهر . ثمّ إنّ للإسلام والإيمان مراتب ومنازل متفاوتة الأعلى فالأعلى لعدم تناهي معرفته تعالى بحسب الواقع ، والسير والترقّي إلى بعض المنازل وإن كان أمرا اختياريّا ندب ودعا إليها الأنبياء ومكّن اللّه تعالى بالوصول إليها بتهيئة أسبابه بفضله وكرمه إلّا أنّ المشاهد بالعيان عدم رغبة الناس فيها وإدبارهم عنها والإقبال على الدنيا والانهماك فيها ولذّاتها وشهواتها بالاختيار الصريح ، فكيف يستغني الموحّد الكامل عن فضل اللّه وتوفيقه ؟ وكيف يسوّغ على نفسه الاستبداد والاستقلال والاستغناء عن إمداد ربّه ؟ هيهات ما ذلك أدب العبوديّة ، كيف والصراط إلى اللّه أدقّ من الشعور وأحدّ من السيف ؟ كم زلّت فيه أقدام السالكين وكم تاه وتحيّر في منازلها أفهام السائرين ؟ وهو اللّه المستعان ، فلا منافاة بين كون الإسلام والإيمان أمرا اختياريّا وبين كونه مسؤولا ومستوهبا منه تعالى بفضله وكرمه فالاهتداء بعد هداية اللّه والاستسلام والانقياد في قيام ما علم من الحقّ والحقيقة واجب بضرورة العقل بالوجوب الذاتي لا بالجعل والتشريع وأمّا هدايته تعالى وإفاضته العلم والنور ولو بعد تهيئة الأسباب والعلل الدخيلة فإنّما هي بيد اللّه ؛ يهدي من يشاء بما يشاء وليس بحيث يهتدي كلّ أحد بما شاء كيف شاء . فالإسلام والإيمان قبول الحقّ والاهتداء المفاضة من اللّه ؛ وقد عرفت أنّه واجب بالضرورة ، وأمّا إفاضة العلم فمنه ما قد فعل اللّه وأفاضه في سنّة الفطرة بما يحتجّ به عليهم وقد وعد في كتابه الكريم وقال :
« الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »