تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
وجليلا لإبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام حين استخلصا أنفسهما عن جميع ما سواه تعالى ببناء البيت المكرّم متذكّرين ومستشعرين بموقيّته ومكانته ، حيث إنّه بيت أسّس وبني تذكارا لتوحيد اللّه جلّ شأنه ، وتمجيده وخلع الأنداد والأضداد من دون اللّه وسيكون مسجدا ومعبدا لأئمّة التوحيد وكبراء الإسلام يعبدون اللّه ويكبّرون كبرياءه ويعظّمون جلاله ويؤمّه ويقصده الأنبياء المقرّبون والأوصياء الطاهرون وأتباعهم الكاملون والمخلصون ما دام للتوحيد وأهله في الدنيا سلطان . وقد مثّل اللّه تعالى بهذه الآية المباركة شخصيّة هذا النبي المكرّم المعظّم مع آماله المقدّسة وأمنياته الحميدة ، أن لا يعبد ولا يعظّم اللّه وحده في مشارق الأرض ومغاربها وخاصّة ذرّيّتهما المطهّرة ؛ وأن لا يخمد شعاع الحق ولا يطفأ نور التوحيد في نسله الصفوة وبيته العظيم . وفي هذا عبرة وبلاغ وذكرى لأهل الاستبصار وأولي الألباب في مشاهدة سنّة اللّه الكريمة المرضيّة ، وأنّه هو الوفيّ الشكور ، وأنّه كيف يقدّس ويشكر عمل المخلصين وكيف يعمد إلى إحياء أوليائه الصالحين ويثني عليهم ويثبت أسماءهم وآثارهم ووفاءهم وإخلاصهم وبذلهم في سبيله مهجهم ، وإتعابهم في مرضاته أنفسهم . فهذا الذكر العليّ والثناء الجليّ في هذا القرآن الكريم الّذي هو أشرف الصحف الإلهيّة والمهيمن على جميع الكتب السماويّة بين أظهر آل محمّد عليهم السّلام وأتباعهم ما دام لمحمد صلّى اللّه عليه وآله ، وآله وأوليائه عليهم السّلام في الدنيا حياة وبقاء . ألا لمثل ذلك فليعمل العاملون . فسبحانه من إله ما أشكره ! وسبحانه من شكور ما أوفاه ! وسبحانه من وفي ما أعطفه بأوليائه وأهل الوفاء به . ومن هنا يتذكّر اللّبيب ناحية من أنحاء الدعوة القرآنيّة وكيف يعرّف ربّنا جلّ مجده لأولي الأبصار وفاءه الصريح وعطفه وحنانه على من يحبّه سبحانه ، فهو بعينه تعريف لنفسه وتأييد وتثبيت لمن عرفه . وحيث عرفت أنّ الموقف من أجلّ المواقف وأشرف المشاهد للخليل والذبيح عليهما السّلام حين استسلما للّه وأوقفا أنفسهما في حاقّ العبوديّة له تعالى فنصبا المسألة إلى اللّه حنيفين مخلصين أن يجعلهما مسلمين له تعالى ومن ذرّيّتهما الطاهرة كذلك . فهذا الإسلام المسؤول لا بدّ أن يكون متناسبا لهذا الموقف أي : الموقف الكريم الّذي لا يمكن النيل منه ، والوصول إليه ، والتثبّت والتمكّن فيه إلّا بنور اللّه وتوفيقه وعصمته لا