أقول : الظاهر أنّ الجعل هنا من حيث كون البيت مثابة وأمنا تشريعي لا تكويني . والآية الكريمة لبيان التشريع في الحجّ إلى بيت اللّه لا للتوطئة لتشريع الصلاة كما قاله في الميزان 1 / 284 « الظاهر أنّ قوله
« جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً . . . »
بمنزلة التوطئة أشير به إلى مناط تشريع الصلاة ولذا لم يقل وصلّوا في مقام إبراهيم بل قال :
« وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى . . . »
فلم يعلّق الأمر بالصلاة في المقام بل علّق على اتّخاذ المصلّى منه » .
وهدا التشريع غير ناظر إلى التشريع في دين الإسلام بل يدور مدار وجود البيت ولمّا كان البيت موجودا قبل الإسلام كان الثوب إليه وكونه دار أمن وأمان بأمر اللّه بتحقّق البيت ؛ وهي الكعبة زادها اللّه شرفا وتكريما .
والمفسّرون تنازعوا في معنى البيت فقال بعضهم كما في تفسير الرازي 4 / 45 :
إنّ البيت المراد منه الحرم وكونه مثابة غير مختص بالبيت بل الحرم والمسجد مشترك معها أيضا فإنّها جميعا مواقف للنسك المخصوصة فالنّاس يثوبون إليها ويأتون البيت آمنين .
قلت : اشتراك المواقف في بعض الأحكام مع البيت لا يسوّغ تعميم البيت ومعناها إلى غيرها ولعلّ لها أحكاما خاصّة ، فيتّضح أنّ إطلاق البيت بلحاظ اشتراكها مع غيرها في بعض الأحكام ليس بشيء .
ولا دليل على أنّ الآية الكريمة ناظرة وتوطئة إلى تشريع الحجّ والصلاة في دين الإسلام ، أو إلى تشريع الصلاة في مقام إبراهيم ، بل إخبار من اللّه تعالى عن تشريع الحجّ إلى بيت اللّه ، والصلاة في مقام إبراهيم ؛ فإن الوفود إلى البيت إنّما كان بعد حدوث البيت ، واتّخاذ المصلّى في المقام بعد إبراهيم ، والحجّ إلى البيت كان قبل الإسلام ، ولا ترديد فيه ؛ وإنّما الكلام في أنّ البيت هل كان تأسيسه من إبراهيم وإسماعيل بأمر اللّه أو كان قبلهما بيت وإبراهيم عليه السّلام جدّده وأعاد بناءه ؟ ظاهر بعض الآيات وصريح بعض الروايات أنّ البيت كان قبل إبراهيم عليه السّلام وقد حجّ إليه قبله آدم عليه السّلام قال تعالى :
« رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ » .
[ إبراهيم ( 14 ) / 37 ]