عدّة وعدّة وإنّما كان المخالفون أعزّة بين عشائرهم وأقوامهم وحلفائهم .
قلنا : واضح أنّ الباطل وأهله أذلّاء وهما زاهقان ؛ والحق وأهله أقوياء باقون فأمروا بالعفو والصفح والغضّ وعدم المؤاخذة لأنّهم متمكنون بالمآل من المؤاخذة فاللازم لهم وقتئذ أن يعملوا بما يعمل أهل المجد والكرامة وأهل العزّة والشرافة .
قال في مجمع البيان 1 / 185 : ( وقيل « بأمره » بالقتال . عن قتادة . فإنّه قال : هذه الآية منسوخة بقوله :
« قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ »
الآية . وبه قال الربيع والسدي . . . وروى عن الباقر عليه السّلام أنّه قال : لم يؤمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بقتال ولا أذن له فيه حتّى نزل جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية :
« أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا »
وقلده سيفا ) .
قال المولى الأجلّ العلّامة الخوئي ( قده ) في البيان / 197 ، ما ملخّصه : إنّ هذه الآية غير منسوخة لأنّ الناسخ لا بدّ أن يكون متعرّضا بلسانه لحال المنسوخ ، والمنسوخ يكون موقّتا ومؤبّدا فالموقّت ينقضي بانقضاء وقته والمؤبّد يزاحم دليل الناسخ ويعارضه . الآية الكريمة في المقام مقيّدة بإتيان أمر اللّه سبحانه فليست مطلقة ولا عامّة ولا ظاهرة في التأبيد كي يرد عليه دليل الناسخ .
أقول : هذا صحيح إذا كان المنسوخ مقيّدا بأمر تشريعيّ وأمّا إذا كان مقيّدا بأمر تكوينيّ متوقّف على مشيئة اللّه تعالى وغير معلوم لنا بوجه فلا يكون إلّا منسوخا .
والعفو والصفح في المقام مقيّد بأمر تكويني وهو عزّة الإسلام وشوكة المسلمين مثلا لو كانا معلومين .
والحاصل أنّه ( قده ) قد خلط بين الغاية التكوينيّة والقيد التشريعيّ ، فعلى الأوّل يكون نسخا وعلى الثاني لا يكون نسخا بل ينتهي الحكم بانتهاء أمده .
إن قيل : إنّ في الآية الكريمة إيماء إلى أنّ حكمه تعالى وأمره سبحانه بالعفو والصفح ليس بظاهرة مؤبّدا ؛
قلنا : إنّ الأحكام من حيث الإبلاغ تدريجيّة فكلّ حكم سكت الرسول عن إبلاغه كوجوب الجهاد والزكاة والحجّ وتحريم الخمر وأمثالها ، فلا يمكن القول بعدم وجوبها وعدم تحريم الخمر وبعد البلاغ لا يقال : إن الوجوب والتحريم ناسخان للإباحة الأوّليّة . وهذا بخلاف ما كان من أوّل الإسلام في مورد حكم ظاهر في العموم