يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ » .
( 108 )
كان دأبهم وسنّتهم الخبيثة إيذاء الأنبياء والسؤال عنهم والاقتراح عليهم بإنزال ما يشتهون ويحبّون . قال تعالى :
« يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً » .
[ النساء ( 4 ) / 153 ]
و
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ . قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ » .
[ المائدة ( 5 ) / 101 و 102 ]
فالسؤال وكثرته في غير المورد الّذي ندب إليه الشرع قد نهى اللّه تعالى عنه على ما هو ظاهر الآية في سورة المائدة وكذلك الاقتراح على الأنبياء بإنزال الآيات عليهم وعدم الاقتناع والاكتفاء بما أنزل اللّه تعالى . والسرّ في ذلك أنّ الكفر بالحجج القيّمة والبيّنات الواضحة الّتي خصّهم اللّه بها هو الكفر بعد الإيمان والجحود بعد قيام البرهان فمن كان كذلك فهو ضالّ عن الطريق الواضح .
قوله تعالى :
« وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ » .
أقول : الظاهر أنّ المراد من ودّهم وأمنيّتهم بأن يردّوا المسلمين كفّارا على أعقابهم بعد إيمانهم ليس هو صرف التمني القلبي ، فإنّ هذا لازم عاديّ لكفرهم ، فالحسد المذكور لا بدّ أن يكون بتظاهرهم وإيجادهم الغوائل عليهم في مرحلة الإيمان والعمل بإلقاء الشبهة وإعمال النكرى والشيطنة عليهم .
قوله تعالى :
« فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .
( 109 )
أمر اللّه تعالى بالعفو والصفح والمداراة لهم والغضّ عنهم .
إن قيل : كيف يكون العفو والصفح من المسلمين مع أنّهم لم يكونوا أقوياء ذوي