الكرامة والقداسة .
وخلاصة الكلام ، أنّ جميع الفنون والأعمال الخارقة للعادة العموميّة مستندة إلى عللها وأسبابها ، اختصّ علمها بطائفة خاصّة من الناس ، والّذين يستفيدون من تلك العلوم الطبيعيّة بما يضرّ الناس الفاقدين لهذه العلوم ، فعملهم هذا قبيح ، وأقبح من هذا تظاهر بعض منهم بخلاف الواقع ، وإلّا فكم من أناس شرفاء حازوا جميع ما في أيدي الناس من تلك الغرائب ولم يتظاهروا بشيء فضلا عن التظاهر بالكرامة والولاية وفضلا عن إضراره بالنّاس .
ولا يخفى أنّ كلّ عمل طبيعيّ له واقعيّة بحسب مجاري العادة والطبيعة ، فلا يخرج من سلسلة الأسباب والمسبّبات شيء من الأعمال إلّا أنّ بعضا منها كان في بدو ظهوره واكتشافه من العجائب ثمّ بعد ظهوره وشيوعه بين الناس صار عملا عاديّا وشائعا ، فما كان منها أمر سائغ مشروع فللناس تحصيله والتكسّب به ، وما كان غير مشروع شرعا وقبيحا عقلا فيحرم على الناس ارتكابه والعمل به . ومنه يعلم أنّ السحر الّذي ادّعى صاحبه أنّه عمل خارج عن الأسباب والعلل ، كذب محض وخدعة للناس وحرام بالضرورة . وقد بسط الكلام في ذلك شيخنا العلّامة الأنصاري ( قده ) في المكاسب / 32 . ومن أراد التحقيق في ذلك فليراجعه .
وأمّا معجزات الأنبياء والأوصياء فليست من هذا الباب بل هي فعل اللّه تعالى ، فإنّ اللّه تعالى يفيض القدرة والاستطاعة على النبيّ صلوات اللّه عليه فيفعل ما يفعل بتلك الاستطاعة المملوكة من اللّه سبحانه . وحيث إنّ هذا التمليك بيد اللّه تعالى فتكون مالكيّة النبيّ في طول مالكيّته تعالى فهو تعالى أملك بها فلا تفويض ، وحيث إنّ العبد مالك للقدرة حقيقة فلا جبر . وعلى ذلك شواهد كثيرة والبحث عنها خارج عن حوصلة المقام ، قال تعالى :
« وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » .
[ البقرة ( 2 ) / 23 ]
و
« فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ » .
[ ص ( 38 ) / 36 ] و
« قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ