تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
فيها دلالة وشهادة على أنّ هذا الميثاق إنّما أخذ منهم عند نزول التوراة في زمن موسى عليه السّلام على سبيل التشريع بالوحي وكذلك إقرارهم على ذلك وشهادتهم عليه وتقرّر ذلك بين أظهرهم واجتماعهم . قوله تعالى :
« ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ »
هذا توبيخ لهم وتقريع عليهم لنقضهم الميثاق المأخوذ الجاري بينه تعالى وبينهم ، وبقتلهم أنفسهم وإخراج بعضهم بعضا بشخصه وعيالاته من ديارهم أو إخراج بعضهم من أبنائه وأولاده وبتظاهر بعضهم على بعض من الجنايات القبيحة والعدوان والطغيان الصريح . قوله تعالى :
« وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ »
عطف على قوله :
« لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ » .
أراد تعالى أنّكم تعهّدتم وأخذنا منكم الميثاق أنّه إن جاءكم الأسارى يجب عليكم تخليصهم من الأعداء بالفدية في عين أنّه كان إخراجهم من المجتمع محرّما عليكم أيضا . قوله تعالى :
« أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ »
الظاهر في المقام أنّ سنّة اليهود وسيرتهم الفاسدة الشائعة بينهم أن يأخذوا بالكتاب وأحكامه إذا كان حكم الكتاب مطابقا وموافقا لميولهم وهوساتهم وأمّا إذا كان مخالفا لخياناتهم وجناياتهم كانوا يتركونه ويخالفونه . فإن قلت : كيف يجوز الجمع بين الإيمان والكفر ؟ قلت : ليس المراد من الكفر هو الكفر الإنكاري بل المراد من هذا الكفر هو ترك ما أمر اللّه به مثل قوله تعالى :
« وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » .
[ آل عمران ( 3 ) / 97 ] ومعنى قوله :
« مَنْ كَفَرَ »
أي ترك ، كما هو صريح عدّة من الروايات في تفسيره . في الكافي 2 / 290 ، عن علي بن إبراهيم مسندا عن أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :