تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
على انحصار المعبوديّة به تعالى . قد تقدم الكلام في معنى العبادة وأنّ المراد منها كلّ ما كانت في صدورها وتحقّقها من الفاعل الحرّ العاقل مستندة إلى أمره تعالى مستقيما أو بالوسائط البعيدة ، فسجود الملائكة لآدم سواء كان باعتبار أنّه عليه السّلام قبلة أو بلحاظ أنّه مقصود بالسجدة عبادة له تعالى بالحقيقة ، وكما أن الامتناع عن السجدة لآدم عليه السّلام عصيان للّه تعالى بالحقيقة وكذلك الطواف حول الكعبة وتقبيل الحجر ولمسه ومسحه بالأيدي عبادة للّه بالحقيقة لا أن يكون خضوعا للحجر والمدر بالأصالة وهكذا الولاية لأوليائه تعالى والعداوة لأعدائه ، وهذا هو التوحيد الخالص ودين اللّه الّذي ارتضاه لأوليائه وأمنائه فالتكبّر على أوليائه تعالى والتودّد لأعدائه شرك وطاعة بالحقيقة وموالاة لأعدائه تعالى وإطاعتهم اتّخاذ صنم يطاع من دون اللّه . قوله تعالى :
« وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً »
الجار متعلّق بمحذوف وهو الناصب للإحسان أي ، تحسنون بالوالدين إحسانا . البرّ بالوالدين هو إعمال الوداد وصرف العواطف مطلقا بحسب الموارد المختلفة وهذا من جملة الفروق المهمّة بين أرباب الشرائع وبين الماديّين ، وقد اهتموا بشأن العواطف وإحيائها وتثبيتها وتأكيدها وتنويرها كما أنّهم وعلى العكس اهتموا بتكذيبها وإماتتها والتشكيك فيها . وهل هي أعمال مزاجيّة طبيعيّة وانفعالات نفسانيّة من العادات القوميّة أو أمور واقعيّة وعلم بسيط يعبّر عنه بنور الفطرة ؟ الظاهر بحسب الأدلّة وبحسب التذكّر بهذه الحقيقة المقدّسة هو الثاني ، فهي من مواهبه تعالى فإنّه تعالى فطر الخلق عليها فبها يتراحمون ويتعاطفون . والعطف والحنان للوالدين جزاء لإحسانهما وبذل جهدهما في تربيته وكفالته أو لأجل الحب الفطري الّذي هو من سننه تعالى قد أكدها القرآن في عدّة آيات :
« وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً » .
[ الإسراء ( 17 ) / 23 - 24 ] ولا ريب أنّ الجدّ في هذا العطف والحنان والعزيمة الأكيدة في كسبه وتحصيله