تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
للشرائع أساس . بعبارة أخرى واضحة ، لولا ثبوت توحيده تعالى وحقيّة ذاته القدّوس وما يرجع إلى شؤون ذاته وكبريائه من وجوب الإقرار ووجوب التعظيم والتّصديق لذاته الحقّ الواضح ولزوم التسليم لحكمه والائتمار بأمره والانتهاء بنهيه بالوجوب العقليّ الذاتي لما ثبت قدم لواحد من الأحكام الشرعيّة والأوامر العباديّة . فالميثاق المأخوذ الّذي هو الشرائع الحقّة في عين كونه أمرا تشريعيّا لا ينافي كون أمّهاته وأساسه أمورا إرشاديّة غير مجعولة بجعل جاعل وبذلك التذكّر والإرشاد أحياها وأثبتها بعدما كانت مغفول عنها منكره غير معروفه . واحتجّ اللّه تعالى بها على الأمم واستحكم بها أساس الشرائع وأصول الأديان . والأخذ من اللّه تعالى والالتزام من العباد ليس أمرا مجعولا شرعيّا بل وجوب الالتزام بهذه الأحكام المجعولة ولزوم التسليم في مقابل هذا الدّين المشروع من قبل اللّه أمر واقعي وكذا مطالبته تعالى بهذا الالتزام من عباده طبق الحقّ الثابت حسب ربوبيّته ومالكيّته الذاتيّة لا غير ، فله الحكم والأمر والنهي وله التشريع وكلّ ذلك بحقّ مولويّته ومالكيّته الواقعيّة ، فظهر أنّ الأخذ من قبله تعالى والالتزام من العباد لهذا الميثاق أمر واقعي وليس بجعل تعبديّ . قوله تعالى :
« لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ »
أمر وإيجاب بصورة الإخبار وبيان للميثاق ومن مصاديقه البارزة فيقال : توحيده تعالى هو الميثاق المأخوذ على الأمم . قال في المنار 1 / 365 : أقول : وهذا النهي عن عبادة غير اللّه مستلزم للأمر بعبادته تعالى ولم يصرّح به لأنّهم كانوا يعبدون اللّه وإنّما يخشى عليهم الشرك به كما وقع منهم في بعض الأجيال ومن غيرهم من الشعوب ، فالأصل الأوّل لدين اللّه على ألسنة جميع رسله هو أن يعبد اللّه وحده ولا يشرك به عبادة أحد سواه من ملك ولا بشر ولا مادونهما بدعاء ولا بغيره من أنواع العبادة كما قال :
« وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً »
فالتوحيد لا يحصل إلّا بالجمع بين الأمرين . أقول : الظاهر أنّ الآية والغرض المسوق له الكلام هو التوحيد يعني انحصار المعبود به تعالى ونفي الأنداد عنه تعالى وخلع الأضداد له وإن كان ذلك مستلزما بتحريم العبادة لغيره سبحانه لأنّ الآية سيقت لتحريم العبادة لغيره وتدلّ بالاستلزام