قوله تعالى :
« لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » .
( 63 )
بيان : « لعلّ » بمعنى التوقّع الّذي يليق بشأن المقام وهو الطلب . وهذا التوقّع والطلب أمر إرشادي في المقام ضرورة أنّ الاتّقاء في ساحته تعالى ومقام كبريائه واجب بضرورة العقول .
قوله تعالى :
« ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ » .
( 64 )
أي أعرضتم وخالفتم بعد هذه الكرامات الّتي أكرمكم اللّه تعالى بها وأنتم أولى بالسلب والحرمان
« فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ »
فإنّ اللّه سبحانه أولى بالإحسان وأعود بالامتنان .
قوله تعالى :
« وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ » .
( 65 )
قال في لسان العرب 3 / 55 : المسخ : تحويل صورة إلى صورة أقبح منها ، وفي التهذيب : تحويل خلق إلى صورة أخرى .
أقول : الآية الكريمة تذكرة وإرشاد إلى سنّة اللّه تعالى المقدّسة بأخذ الظالمين والناكثين فيجعله عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين في عصرهم وغيره من الأعصار خلفا بعد خلف . وقد علمتم قضيّة السبت وجرأتهم على اللّه سبحانه في تحريف أحكامه ودينه بالحيل وعلمتم أيضا كيف أخذهم اللّه سبحانه فجعل عليهم الهوان والخذلان والعذاب نكالا وسلب اللّه سبحانه عنهم ما أعطى الإنسان وأكرمه به من الصورة الحسنى والاستقامة في البدن والمشاعر في العين والسمع وغيرها وكيف مسخهم اللّه على صورة القردة الخاسئين أي المبعدين المحرومين عن مواهبه تعالى .
وليس المراد من المسخ تبديل حقيقة الإنسان بحقيقة القردة بل الظاهر أنّ المراد منه تغيير ما أعطاه اللّه تعالى من الصورة الحسنى الّتي ذكرها اللّه سبحانه في كتابه وقال :
« الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ » .
[ الانفطار ( 82 ) / 7 - 8 ]
و
« لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ » .
[ التين ( 95 ) / 4 ]