الاستفهام إنكاريّ وفيه توبيخ وتقبيح لهم بأنّهم كيف لم يعقلوا موقعيّة هذه الكرامة الإلهيّة والضيافة الخاصّة الرحيميّة يأكلون أجود الطعام وأزكاه وأطيبه والّذّه ، ينزل عليهم على سبيل الإعجاز والإكرام ، وخاصّة كان الرسول الكليم الكريم المطهّر المعصوم عليه السّلام يحاورهم ويبيّن لهم الحلال والحرام وخاصّة المعارف القيّمة الحقّة الإلهيّة من معرفته تعالى وتوحيده والمبدأ والمعاد وغيرها ؛ وهذا أجلّ بهجة وأعظم كرامة لهم فاستنزلوا من هذه الكرامة الكبرى ورضوا بما هو أدنى وأخس من الحياة العادية تحت حكومة الجبابرة والفراعنة الّذين يحكمون في أنفسهم وأموالهم كيف شاؤوا وأرادوا فقال تعالى :
« اهْبِطُوا مِصْراً »
أي مصرا من الأمصار ولزم عليهم وأحيط بهم الهوان والخذلان واستحقّوا بغضب من اللّه فرضي اللّه سبحانه بما رضوا لأنفسهم من سلب المواهب والنعماء عنهم فوقعوا في ضنك العيش وشقاء الحياة .
قوله تعالى :
« ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ »
ذلك إشارة إلى ما تقدّم من عصيانهم وطغيانهم واستبدالهم ما هو الأعلى والأجلّ بما هو أخس وأدنى . وفي التعبير بقوله :
« بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ . . . »
دلالة على أنّ ذلك الكفر كان سنّتهم الخبيثة كما ذكرنا في قوله تعالى :
« كانُوا يَفْسُقُونَ » .
قوله تعالى :
« وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ » .
( 61 )
هذا جناية أخرى منهم فانّهم كانوا يقتلون الأنبياء المعصومين وأولياء اللّه الطاهرين . وقوله : « ذلك » إشارة إلى قتل الأنبياء . وهل المراد من القتل هو القتل بالسيف والسنان وأمثالهما أو المراد منه الاستخفاف بهم واحتقارهم وإسقاطهم عن مراتبهم الّتي رتّبهم اللّه فيها من الأمر والنهي والبلاغ والتعليم ؟ الظاهر هو الثاني .
في تفسير العياشي 1 / 45 ، عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال في هذه الآية :
واللّه ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم ولكن سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلا واعتداء ومعصية .
وقوله :
« بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ »
إشارة إلى أنّ ذلك القتل إنّما كان بعصيانهم وتجاوزهم واعتدائهم .