تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
إبراهيم من قبل أمّه مريم ، إلّا أنّ ظاهر الآية هنا متوجّه إلى اليهود . قال في مجمع البيان 1 / 93 : قيل حيث إنّ السورة مدنيّة واليهود مجتمعة فيها ، وفي جوابها بدأ تعالى بالتعرّض لهم ولأسلافهم وما جرى بينهم وبين أنبيائهم . أقول : هذا ليس بشيء إذ القرآن الحكيم وخطاباته ليست موجهة إلى أشخاص وأقوام بخصوصهم وإلى صقع وجيل وإنّما الخطاب لمن وقع من بني إسرائيل تحت دعوة أنبياء بني إسرائيل كائنا من كان في عصر النزول ومن بعده في الشرق والغرب . والسياق سياق الموعظة والتذكّر باللّه وبآلائه ومواهبه ، وترغيب وترهيب واحتجاج وتوبيخ وتجديد دعوة إلى اللّه وإلى دين أنبيائه المتّقين ، وتحذير بأبلغ بيان وأتمّ برهان ، وبأنّه لا يجوز لهم تكرار الكفران والمبارزة والبغي على هذه الدعوة المباركة بما فعلوا بالسابقين من الأنبياء وتلاعبوا بهوساتهم وشهواتهم بالحقائق البيّنة والبراهين التامّة والآيات الباهرة . وهذه المخاطبة منه تعالى مع اليهود على لسان نبيّه الأعظم تعطي برهانا نيّرا على إعجاز القرآن من هذه الناحية بخصوصها فإنّها تشتمل على علم الغيب بأصدق ما يكون مع اشتمالها على جميع البراهين الإلهيّة للأنبياء من حيث إنّها براهين إلهيّة . وبديهي أنّ شهادة القرآن بصدقها وحقيّتها وحقيقتها شهادة حقّة صادقة ودعوة إليها ، ومدافعة عنها مع تعرّضها لها وبما كتموا منها وبتصحيح ما حرّفوا منها ، ومع التعرّض لجميع ما جاهد به هؤلاء الرسل وما تحمّلوا من المحن والمعاناة وتشهد أيضا على خلوصهم ووفائهم وصدقهم وإيمانهم وتوحيدهم وانقطاعهم في دعواتهم إلى اللّه في بواطنهم وسرائرهم وما واجهوا من فراعنتهم وجبابرتهم وما تحمّلوا منهم في جنب اللّه وفي مرضاته وما قوبلوا به من أممهم وأهل دعوتهم وما عاملت به تلك الأمم المخلصين منهم والمرتابين والمنافقين وما جرى بينهم وما فعل اللّه بهم من إجراء سنّته المقدّسة من الهلاك والعقاب والثواب والجزاء والترقيع والتوبيخ بحيث لا يقدر على دفعه أحد ويظهر غاية الظهور أنّه صلّى اللّه عليه وآله يشكر سعيهم ويقدّس أعمالهم ويمجدها هاتفا في المجامع البشريّة بأسمى التمجيدات وأنّهم أحباء اللّه وأولياؤه المطهّرون ويعظّم شأنهم ورفعة مكانهم ، وأنّهم سلام اللّه عليهم أئمّة التوحيد وحملة العلم والموفون بعهد اللّه والذابّون عن حريم كبريائه والحافظون لميثاقه .