مسندا عن صالح بن ميثم ، عن أبيه قال :
بينما أنا في السوق إذا أتاني الأصبغ بن نباتة فقال : ويحك يا ميثم لقد سمعت من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام حديثا صعبا شديدا فأيّنا يكون كذلك ؟ قلت : وما هو ؟ قال : سمعته يقول : إنّ حديثنا أهل البيت صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرّب ، أو نبي مرسل ، أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان . فقمت من فورتي فأتيت عليّا عليه السّلام فقلت : يا أمير المؤمنين حديث أخبرني به الأصبغ عنك قد ضقت به ذرعا قال : وما هو ؟ فأخبرته ، قال : فتبسّم ثم قال : اجلس يا ميثم ، أو كلّ علم يحتمله عالم ؟ إن اللّه تعالى قال لملائكته :
« إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ »
فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم ؟ قال : قلت : هذه واللّه أعظم من ذلك قال : والأخرى أنّ موسى عليه السّلام أنزل اللّه عليه التوراة فظنّ أن لا أحد أعلم منه فأخبره اللّه عزّ وجلّ أنّ في خلقي من هو أعلم منك ، وذاك إذ خاف على نبيّه العجب ، قال : فدعا ربّه أن يرشده إلى العالم ، قال : فجمع اللّه بينه وبين الخضر فخرق السفينة فلم يحتمل ذاك موسى ؛ وقتل الغلام فلم يحتمله ، وأقام الجدار فلم يحتمله . وأمّا المؤمنون فإنّ نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله أخذ يوم غدير خمّ بيدي فقال : اللّهمّ من كنت مولاه فإنّ عليّا مولاه ، فهل رأيت احتملوا ذلك إلّا من عصمه اللّه منهم ؟ فأبشروا ثمّ أبشروا فإنّ اللّه تعالى قد خصّكم بما لم يخصّ به الملائكة والنبيّين والمرسلين فيما احتملتم من أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعلمه .
أقول : شأن خليفة اللّه وعظم مقامه في ما يحتاج إليه أمر الإصلاح والتربية وسائر شؤونه لم يبلغ بعد إلى معرفته إلّا أقل من القليل مع وضوح البيان وصريح البلاغ فكيف في بدو الأمر إذ قرع أسماعهم .
واحتمال كون المراد من الخلافة هي الخلافة للّذين كانوا حينئذ سكنة الأرض واستفادة ذلك من الآية الكريمة نفسها ليس بصحيح بل الظاهر خلافه .