تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
[
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . . .
] بيان : إنّ اللّه تعالى قد أخبر الملائكة أنّه سيجعل في أرضه خليفة يملك الأرض بتمليكه ويجعله أمينا لعلمه وحكمته ومبلّغا ومؤدّيا عنه والظاهر أنّ « جعل » ليس مرادفا لخلق في قوله تعالى :
« وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ . فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ » .
[ الحجر ( 15 ) / 28 - 29 ] فالجعل يصدق على الانتصاب والانتخاب بخلاف الخلق ؛ فلا دلالة في الآية ولا ذكر ولا قرينة فيها لكون المجعول بدلا عن شيء سابق عليه ، وليست الآية الكريمة في مقام بيان أدوار الأرض وشرح ساكنيها وخلفائها فللأرض وأدوارها المارّة عليها وسلاكينها لا بدّ من بيان آخر وإنّما أخبر اللّه تعالى عن الغيب المكنون أنّ له تعالى قضاء وحكما سيجعل في أرضه خليفة أشرف البريّات شأنا وأعظمها أسرارا وحيث إنّ الملائكة يعرفون مقام الخلافة وشأنها لا يستوحشون من أنّ اللّه يختار لنفسه خليفة ذا كرامة عليه تعالى وإنّما يستبعدون أن يكون الخليفة من جنس الموجود الأراضي وزعموا أنّ الأولى والأحرى بمقام الخلافة والكرامة والمكانة منه تعالى أبناء الملكوت المسبّحون الذاكرون للّه سبحانه وهذا الاستبعاد ليس أمرا منكرا ليكون منافيا لمقام الملائكة وعظم شأنهم فإنّ احتمال أثقال العلم سيما العلوم المضروب عليها حجب الغيوب أمر عسير جدّا وفوق كلّ ذي علم عليم فإنّ إمعان النظر في سيرة أولياء العلم وأئمّة التوحيد يؤنسنا إلى كثير من أمثاله ونظائره كما في قصّة موسى والخضر على نبيّنا وآله وعليهما السّلام . في البحار 2 / 210 ، عن بشارة المصطفى ، عن محمد بن علي بن عبد الصمد