فالآية الكريمة تردّ على المعترضين بضرب الأمثال مطلقا سواء كان بعوضة أو ما فوقها أو ما دونها فإنّ المدار في ضرب الأمثال هو تنزيل الحقائق إلى سطح الأفهام العموميّة ، وهذا أمر حسن جدّا ودائر عند البلغاء ومربّ الأمم والملل وقائدهم في سنن التعليم والكمال ، فإنّ سوق الناس إلى الحقائق ابتداء في مرتبتها الخاصّة بما مع اختلاف مراتب الأفهام أمر جزاف قبيح لا بدّ أن يعارض بالردّ ويواجه بالاستهزاء والإنكار ؛ والقرآن الكريم في عين مراعاته هذا الأصل الأصيل طبق القوانين الفطريّة في فنّ البلاغة أنى في كلّ مورد بما يناسبه من إقامة الحجج القيّمة وإيضاح الحقّ والحقيقة وتحريك العواطف وإثارة دفائن العقول ، ومن احترام الحقّ وتعظيم العلم والتنفير عن الباطل .
ويويّد ما ذكرنا من عموم المورد ، التصريح بذكر البعوضة فإنّ المثلين في صدر السورة ليس فيهما شيء من ذكر البعوضة فالآية الكريمة تفيد أنّ المناقشة في المثال سواء كان بعوضة أو غيرها بعدما كان المراد منه توضيح المقصود ليس من دأب الطالب المستهدي وإنّما هو دليل اللّجاج والعناد ، وأنّه ليس هذه الأمثال إلّا لإبانة الحقّ وإيضاحه . فالضلال بعد الهدى والعمى بعد الضياء إنّما هو من فعل الفاسقين الذين خرجوا عن دين اللّه وخلعوا طاعة الربّ وأبطلوا نور الفطرة وتسامحوا في التذكّر والاستيقاظ بدعوة الحقّ وأصمّوا آذانهم عن سماع نداء هذاة الحقّ ، وكلّ ذلك ليس إلّا إشباعا لشهواتهم وتمايلا لهوساتهم وتكبّرا وتعززا بتكبّرات الجاهليّة وتعزّزات الحماقة عن الانقياد والإئتمار لولاة الحقّ وأمناء العلم ، وقد ارتكبوا قبيحا من الجناية وعظيما من الجرم .
قوله تعالى :
« الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ . . . » .
( 27 )
قال في لسان العرب 3 / 311 : العهد : الوصيّة . . . يقال : عهد إليّ في كذا أي أوصاني . . . والعهد : التقدّم إلى المرء في الشيء . والعهد الذي يكتب للولاة وهو مشتق منه . والجمع عهود ، وقد عهد إليه عهدا . والعهد : الموثق واليمين يحلف بها الرجل . . .
والعهد : الحفاظ ورعاية الحرمة .
ويشكل القول بأن هذه المعاني كلّها معان حقيقيّة قد وضع لها لفظ العهد بل غاية ما يقال فيها أنّ لفظ العهد قد استعمل فيها والمهمّ في المقام هو كشف المراد منه سواء كان بالحقيقة أو بالعناية فنقول : قد كثرت الروايات عن أئمّة أهل البيت عليهم