ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء « وأنتم تعلمون » أنّها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة الّتي أنعمها عليكم ربّكم تبارك وتعالى .
أقول : هذه الفقرة من الآية تشهد شهادة جليّة لما ذكرناه في صدر البيان أنّ المراد من العبادة ليس ما هو المصطلح المرتكز من العبادات المجعولة بالجعل الشرعي بل المراد - وهو المعنى اللّغوي - هو التذلّل والتواضع كما نقلنا عن ابن عباس في تفسير « اعبدوا » قال : أي ، وحّدوه . فالتفريع بقوله :
« فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ . . . »
بناء على ما ذكرنا أنّه أمر بالتذلّل والتواضع والإقرار والتعظيم مع استدلاله بآثار الربوبيّة واستشهاده عليها بأصول النعم الّتي أتقنها بحكمته وأحكمها بصنعه وذلك تقدير العليم الحكيم فليس اتّخاذ الأنداد والأمثال إلّا مكابرة مع العيان وعنادا بعد الحجّة كما هو صريح قوله تعالى :
« وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
أي ، اتّخاذ الأنداد للّه سبحانه إنّما هو مع علمكم بالحال .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 23 إلى 24 ]
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 )
قوله تعالى :
« وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا » .
بيان : هذه الآية تحدّ منه تعالى لجميع الأمم شرقا وغربا في عصر الحضور وبعده ضرورة أنّ دعوة القرآن الكريم ليست مختصّة بقرن دون قرن وبقوم دون قوم .
وهذه السورة مدنيّة ، وهذه الآية آخر آية تحدّى بها سبحانه خصوم القرآن المبين . والظاهر أنّ الآية الأولى الواردة في مرحلة التحدّي قوله تعالى في سورة القصص :
« فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ