عن رؤية الحقائق ومشاهدتها .
في العيون 1 / 123 ، عن محمد بن أحمد مسندا عن إبراهيم بن أبي محمود قال :
سألت أبا الحسن الرضا عليه السّلام عن قول اللّه تعالى :
« وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ »
فقال :
إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه ولكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والنفاق منعهم المعاونة واللّطف ، وخلّى بينهم وبين اختيارهم .
قوله تعالى :
« أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَ . . . » .
( 19 )
قال في لسان العرب 1 / 534 : صاب المطر صوبا ، وانصاب : كلاهما انصبّ .
ومطر صوب وصيّب وصيّوب ، وقوله تعالى :
« أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ »
قال أبو إسحاق :
الصيّب هنا المطر .
أقول : الظاهر أنّ المراد من الصيّب هنا هو الانحدار من العلوّ أي ، انصباب المطر لا نفس المطر . والظاهر أنّه عطف على النار لا على المستوقد ، ويحتمل أن يكون عطفا على الاستيقاد . والظاهر أنّ المثل مثل الأوّل ، أي المستوقد ، فكما أنّ المستوقد إذا ذهب اللّه بنوره وقع في الظلمة والمنافق إذا نافق وارتدّ سلب عنه نور الإيمان والعرفان فوقع في الحيرة كذلك المثل الثاني يفيد اضطراب شأن المنافق في حياته ومختلف حالاته فإنّه يخبط خبط عشواء ، فكلّ ما وقع في المشبّه به من أوله إلى آخره وهو الرجل الواقع تحت انصباب المطر مع حركاته المضطربة وفقدانه السكينة والطمأنينة في حيرة عمياء قد وقع مثالا لحال المنافق واضطرابه وعدم اهتدائه إلى طريق الحقّ على النحو المتعارف فيقع تحت عوامل مختلفة وعلل متنوّعة فلا يجد بدّا من إظهار الحقّ والمشي إليه ثمّ مخالفة فطرته وتكلّفه على نفسه في ارتكاب خلاف الحق فتاه في سير حياته وطريق هدايته .
ولا يخفى أنّ جميع المفردات بخصوصها موردا للمثل ولا مقصودا للتشبيه .
والفرق بين المثل الأوّل والثاني أنّ الأوّل لحكاية حال المنافق من حيث انحرافه عن الحق وسلب النور عنه ووقوعه في الظلمة دفعة ؛ والثاني يتعرّض لحال المنافق ويحكي حاله بلحاظ استمراره وأنّه شأنه ودأبه وسنّته السيّئة .