تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
عقولهم وأصرّوا على مخالفة ما تفطّنوا بفطرتهم ، فهم بمعزل عن ناحية إدراك الحقائق ولطائف المعارف وهم بالسفه وخفّة الحلم والعقل أولى لو يشعرون ولكنّهم صدّوا أنفسهم وضربوا عليها سدا فاصلا عن إدراك الحقّ ولا يشعرون . قوله تعالى :
« وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا . . . » .
( 14 ) الظاهر أنّ هذا القول لعدّة خاصّة من المنافقين الضعفاء الواقعين تحت سيطرة الزعماء منهم وهؤلاء كانوا كثيري الاختلاط بالمؤمنين فلكثرة اختلاطهم وصحبتهم مع المؤمنين يلتبس أمرهم على زعمائهم وظنّوا أنّهم يميلون إلى الحقّ . وهم في مقام إرضاء زعمائهم وتجديد أمر نفاقهم وتثبيته قالوا لهم : إنّا معكم بالحقيقة وما ترون منّا من المعاشرة والصحبة مع المؤمنين فهو استهزاء بهم . وحيث إنّ اللّه سبحانه منزّه عمّا فعل المبطلون والجاهلون فما يفعله لا يكون إلّا حقّا وما حكم به لا يكون إلّا عدلا فيجزيهم جزاء من يستهزئ بأوليائه وشرائعه . قوله تعالى :
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » .
( 15 ) المدّ هو الزيادة وأكثر ما يستعمل في الزيادة المتّصلة ولا فرق في إعطاء هذا اللّفظ معنى الزيادة متّصلة كانت أو منفصلة بين مدّ الثلاثي وأمدّ . والظاهر أنّ المراد منه الإملاء والاستدراج بزيادة النعم والإمهال في العمر والبسط والصحّة في الجسم في عين أنّهم في طغيانهم يعمهون أي ، يتحيّرون ويتردّدون . قوله تعالى :
« أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى . . . » .
( 16 ) الاشتراء قبول البيع . فعلى هذا يكون الشراء بمعنى البيع والاشتراء قبوله ، مثل البيع والابتياع . والضلال فقدان النور والعلم ويراد منه في هذا المقام التحيّر والتردد . والهدى كما ذكرنا في غير مورد هو العلم المفاض من اللّه سبحانه ، والاهتداء التسليم به وعدم التشكيك والترديد العمدي في قبوله . وله درجات إلى مالا يعلمه إلّا اللّه وكذلك تتنوع بحسب ما يتعلّق به . فالمبيع هو الضلال والثمن هو الهدى . وهؤلاء القوم أعم من الّذين تمكّنوا في طريق الهدى وتخطّوا في حريمه ، ومن الّذين وقعوا في أوّل أمرهم في قبال دعوة الحقّ وليس فيهم إلّا هدى الفطرة الإلهيّة . وعلى الفرضين تكون المبادلة بين أمرين