تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
والكيف والإهانة والاستخفاف بالذي ينكل عليه ، فتوصيف العذاب بأنّه عظيم أو شديد أو أليم باعتبار درجاته وبلحاظ عنايات خاصّة في كلّ مورد ومورد ولا معنى لتفسيره بما ينافر الطبع . قوله تعالى :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ » .
( 11 ) الظاهر أنّ القائل هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بدعوته العامّة أو بعض المؤمنين الذين كانوا عارفين بسوء سريرة هؤلاء من النفاق والكذب . وجوابهم :
« إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ »
الظاهر أنّ مرادهم من الإصلاح هو الإصلاح بين الناس وتنظيم أمر المجتمع ليردّوا الناس على أعقابهم من الكفر والضلال الذي كان غاية آمالهم وأمنيّاتهم ؛ أو إصلاح أمرهم الشخصي فيظهرون عند العامة الإسلام والصلاح ليكون ذلك جنّة وسترا على فجائعهم وحفظا لدمائهم من سيوف المسلمين . قوله تعالى :
« أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ » .
( 12 ) قال ابن هشام في المعنى 1 / 95 ، في معاني « ألا » أحدها أن تكون للتنبيه فتدلّ على تحقّق ما بعدها . هذا ردّ عليهم بأنّهم لشدّة حمقهم وغاية بلادتهم لم يميّزوا الصلاح من الفساد فإنّ هؤلاء الخائنين للمجتمع وللعدالة والحقّ قدّموا آمالهم الشخصيّة على كلّ حقّ وحقيقة وزعموها إصلاحا ألا إنّهم هم المفسدون بالحقيقة ولكن لا يشعرون . قوله تعالى :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا . . . » .
( 13 ) الكلام في القائل والمخاطبين بعينه الكلام في الآية السابقة . والفرق بين الآيتين والقول والجواب أنّ الآية الأولى لإصلاح الأمّة ومجتمعها وهذه الآية مسوقة للأمور المعنويّة القدسيّة من الإيمان باللّه ووحدانيّته ونعوت جلاله وجماله والإيمان بالغيب واليوم الآخر وملائكته ورسله . ولا يخفى أنّ إدراك هذه الحقيقة ونيل هذه المسألة الّتي هي من أشرف المعارف الإلهيّة وأفضلها وأنورها يحتاج إلى الاحساس أكثر فأكثر بما يكفي في إدراك ما في الآية الأولى ، فإنّ التشرّف بعرفان المبدإ الأعلى وبعدّة من نعوته وكمالاته العليا وكذلك معرفة اليوم الآخر ورسله وملائكته وأمنائه متوقف على تثبّت تامّ في مقام العمل بما علم بالوجوب العقلي الذاتي . وهؤلاء الأغبياء قد خالفوا بداهة