قوله تعالى :
« خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ . . . »
قال في معجم مقاييس اللّغة 2 / 245 : ختم . . . فأما الختم ، وهو الطبع على الشيء .
وقال في لسان العرب 12 / 163 : ختمه يختمه ختما وختاما ؛ الأخيرة عن اللّحياني : طبعه ، فهو مختوم ومختّم . . . والختم على القلب : أن لا يفهم شيئا ولا يخرج منه شيء كأنّه طبع . وفي التنزيل العزيز :
« خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ »
هو كقوله : طبع اللّه على قلوبهم فلا تعقل ولا تعي شيئا . قال أبو إسحاق : معنى ختم وطبع في اللّغة واحد وهو التغطية على الشيء والاستيثاق من أن لا يدخله شيء .
أقول : المراد من الختم هو احتجابهم عن الحقّ وعماهم عن درك أنوار الفضيلة الّتي قد تفضّل اللّه على المؤمنين والمنيبين ، فإن اللّه سبحانه يسلب الاحساسات الكريمة عن هذه الأعضاء وتركهم في ظلمات لا يبصرون ولا يعقلون ، ومن الممكن جدّا أن يكون الختم والطبع على درجات ، قال تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا » .
[ النساء ( 4 ) / 137 ]
لا يخفى أنّ مرتبة الختم والطبع والحجاب ليست مقدمة على الكفر ولا في عرضه بل الختم متأخر عنه ومعلول له ، وليس هذا الاحتجاب بحيث يبطل الحجّة ويصير سلطان الحقّ مغلوبا بل الحجج الإلهيّة قائمة على من ختم اللّه على قلبه وبراهين الحقيقة بيّنة عنده فيجب عليه الاعتذار مما فعله وارتكبه وهذا الاعتذار والعود إلى اللّه واجب بعين وجوب الايمان وكذلك الاصرار على الاستكبار على الحقّ والاستخفاف به محرّم بعين حرمة الكفر .
قوله تعالى :
« عَلى قُلُوبِهِمْ » .
قال في لسان العرب 1 / 685 : القلب : تحويل الشيء عن وجهه . . . والقلب أيضا :
صرفك إنسانا تقلبه عن وجهه الّذي يريده . . . وقد يعبّر بالقلب عن العقل ، قال الفراء في قوله تعالى :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ »
أي عقل .
أقول : قد استعمل لفظ القلب في الكتاب والسنة كثيرا ونسب في القرآن والأخبار والأدعية إلى القلب التفهّم والتعقّل والتنوّر والإيمان والاطمئنان والسكون