ونحو ذلك ونسبه إليه أيضا الطبع والختم والغشاوة والرين والعمى وأمثال ذلك .
فللقلب مقام شامخ في الوجود الإنساني وعليه تدور رحى سعادة الإنسان وشقاوته وله الحكومة المطلقة على الأعضاء والجوارح ، وبنوره المعنوي تهتدي جميع الأعضاء وتسير في سيرها الواقعي فيجب على القلب الاحتراز والاتّقاء من الضلال والعصيان .
قوله تعالى :
« وَعَلى سَمْعِهِمْ »
أقول : السمع مصدر من سمع يسمع ، والعدول من الأسماع إلى السمع لعلّه للدّلالة والإشارة إلى أنّ محلّ السمع يعني الأذن مختوم لا يمكن أن يسمع . وقد جعله اللّه تعالى طريقا إلى استماع العلوم والحقائق في الربانيّين والصديقين فيجب على كلّ عاقل أن يسمع لهم . وقد كثر في القرآن والأخبار مدح الأذن المستمعة والواعية ، وورد في باب أجزاء الإيمان أنّ الفرض على السمع الاستماع إلى ما فرض اللّه عليه .
قوله تعالى :
« وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ »
قال في مقاييس اللّغة 4 / 425 : غشى - الغين والشين والحرف المعتلّ - أصل صحيح يدلّ على تغطية شيء بشيء يقال : عشيت الشيء أغشيه ، والغشاء : الغطاء .
أقول : المراد من الأبصار هي الأعضاء المخصوصة في الرأس وهي العيون وهذا التوبيخ والتشنيع بالنسبة إلى العيون بتقريب ما تقدم في القلوب والأسماع إنّما هو من جهة عدم المشاهدة والتبصّر من الآيات والعلامات والمعالم الّتي ملأت الآفاق ، فإنّه تشهد أعلام الوجود على إقرار قلب ذي جحود ، فعدم انتفاع الناس بعيونهم الّتي هي من أفضل أدوات الروح للاستطلاع والاستشراف على إدراك عدّة مهمّة من الحقائق والأعيان دليل على انحرافهم عن مسير السنّة الحقيقيّة لأولي الألباب ، وذلك بما كسبت أيديهم وران على قلوبهم ما كانوا يعملون ، وأمّا عباد اللّه المتّقون فراقبوا ربّهم في الأسماع والأبصار والأفئدة بإذن اللّه وتأييده . وهذا التوبيخ والتشنيع لا يرتفع عنهم في مرتبة الختم والخذلان أيضا لعدم منافاة الختم مع الاختيار . وقيام الحجّة البالغة عليهم .
وما ذكره في الميزان 1 / 50 ، من أنّ الآية وردت في جبابرة قريش ومردتها ليس بصحيح لأنّ الآية الكريمة نزلت في المدينة فلا محالة هذا الإنكار والتوبيخ متوجّه إلى كفار المدينة ويجري أيضا في كلّ مورد يكون من مصاديق هذا الكلّي سواء كان في عصر النزول أو بعده .