تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
الدّين من غير الهداية إلى العمل ليست هداية نافعة وهداية على الإطلاق . ثمّ إنّ الهداية المسؤول بها منه تعالى حيث إنّه عرفان حقيقيّ لدين اللّه وصراط أنبيائه بإفاضة منه تعالى يجب الاهتداء إليه والقيام به من التوحيد إلى آخر شؤونه الحقّة من أحكامه وحلاله وحرامه وعبوديّته وحدوده وفضائله وكرائمه ومكارمه . فالاهتداء بالدّين بهذا المعنى عين الاستقامة فيه بالنسبة إلى كل سالك وسالك . وإلّا فمجرّد هدايته بمعنى معرفة الصراط من دون التثبّت التامّ فيه ومن دون القيام العملي فيه ، لا يكون مستقيما . وفي قوله تعالى :
« وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً »
[ الجنّ ( 72 / 16 ] و
« فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ »
[ هود ( 11 ) / 112 ] ، دلالة على ذلك . والشواهد على ذلك كثيرة لمن تتبّع . فظهر ممّا ذكرنا أنّ المراد من الصراط ، الدّين أصوله وفروعه ، معارفه وأحكامه . والأخبار المذكورة مع اختلافها بحسب موارد الهداية ، إنّما هي لبيان مصاديق الهداية ، وليست مسوقة لبيان تمام المراد من الآية الكريمة ، كي يحصل التنافي بينها . فإنّ ثبوت الشيء لا ينافي ثبوت ما عداه . ثمّ لا يخفى أنّ الصراط المذكور في هذه الآية وفي هذه الرّوايات ، هو غير الصّراط المذكور في أخبار أخرى من أنّه جسر على جهنم . فلا وجه لإيراد الأخبار الراجعة إلى أنّ الصّراط على جهنم في تفسير هذه الآية . قوله تعالى :
« صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ » .
هذا توضيح وتفسير للصّراط المستقيم ؛ أي : إنّه صراط الأنبياء المقرّبين والرّسل والصّديقين الّذين اصطفاهم اللّه سبحانه لدينه واختارهم لأماناته وأكرمهم بمعرفته ومعرفة توحيده ونعوته وكمالاته ، وأوصيائهم الطّاهرين . ويدخل في زمرتهم أتباعهم السّالكون سبيلهم والمقتفون آثارهم الّذين لم يبدّلوا ولم يغيّروا . وهذا هو الصّراط المستقيم . هذه هي النعمة الكريمة الكبيرة الإلهيّة . وليس المراد من النعمة ، النعم الماديّة الدنيويّة بالضّرورة . قوله تعالى :
« غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ » .
( 7 ) صفة ونعت لقوله تعالى :
« الَّذِينَ » .
فالآية الكريمة تنزيه وتقديس لهؤلاء الكرام الأبرار المنعم عليهم ، عمّا يوجب سخطه تعالى عليهم وقطع وقايته لهم