« وقال النحاة : تأتى للإلصاق ومثّلوه بقولك : مسحت يدي بالمنديل ؛ أي لصقتها به ، والظاهر أنّه لا يستوعبه ، وهو عرف الاستعمال ، ويلزم من هذا الإجماع على أنّها للتبعيض » . « 1 » انتهى .
فإنّ ظاهر كلامه - بل صريحه - أنّ مجىء الباء للإلصاق مستلزم لمجيئها بمعنى التبعيض .
وكيف كان ، فالظاهر أنّ كلمة الباء في الآية الشريفة بمعنى « من » التبعيضيّة ، وإنكار سيبويه مجىء الباء للتبعيض ، « 2 » لا ينافي ذلك بعد تصريح كثير من أئمّة أهل اللغة وأكابر النحويّين بذلك ، فقد نصّ عليه ابن قتيبة وأبو علي الفارسي وابن جنّى وابن مالك في « شرح التسهيل » وغيرهم ، واستشهد عليه ابن مالك بذهاب الشافعي - الذي هو من أئمّة اللسان - وأحمد وأبي حنيفة إليه ، « 3 » ونقل عن ابن عباس مجيئها بمعنى « من » في قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ ،
« 4 » ومثله قوله تعالى :
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
؛ « 5 » أي من علم اللّه .
وبالجملة : فإنكار ذلك مكابرة محضة وقد عرفت أنّ المناسب بالآية من بين المعاني إنّما هو هذا المعنى ، لا المعاني الأخر .
ومن هنا يعرف الخلل فيما في « المصباح » « 6 » وغيره ؛ « 7 » من أنّ منع دلالة الآية
هامش
( 1 ) . مجمع البحرين ؛ 4 : 196 .
( 2 ) . سيبويه ؛ الكتاب ؛ 2 : 365 ؛ انظر مختلف الشيعة ؛ 1 : 267 ؛ جواهر الكلام ؛ 2 : 171 .
( 3 ) . انظر مجمع البحرين ؛ 4 : 196 ؛ مغنى اللبيب ؛ 1 : 142 .
( 4 ) . لقمان / 31 ؛ مجمع البحرين ؛ 4 : 196 .
( 5 ) . هود / 14 ؛ مجمع البحرين ؛ 4 : 196 .
( 6 ) . مصباح الفقيه ؛ الطهارة ، 2 : 342 .
( 7 ) . انظر الطهارة ، ضمن تراث الشيخ الأعظم ؛ 2 : 208 .