تعالى :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ، *
بل المراد هو التسامت الحقيقي بين المصلّى والكعبة ؛ بأن تكون الخطوط الخارجة عن مقاديم بدنه واصلة إليها أو شاملة لها ولو من وراء الأرض وإن لم يطّلع المصلّى عليه وعلى سرّه .
ثمّ إنّ سرّ كون الشئ البعيد - ولو كان كبيرا عظيما كالجبل مثلا - بجميعه في قبال الناظر ، مع كونه صغيرا بالنسبة إليه جدّا : هو أنّ العينين واقعتان في سطح محدّب ، والعدسة الواسطة في الرؤية أيضا واقعة على سطح محدّب قريب من الكروي ، ونفس العدسة أيضا لها تحديب ، ولهذا يخرج الشعاع الواسطة في الرؤية على شكل مخروطىّ ، رأسه عند الناظر ، وقاعدته منطبعة على الشئ المنظور إليه ، وكلّما امتدّ النظر صارت القاعدة أكثر سعة .
ولو كانت الرؤية بانعكاس صورة المرئى في عين الناظر ، لكان الأمر كذلك أيضا تقريبا ، فإنّ النور الآتي من قبل المرئىّ ، يكون كمخروط قاعدته عنده ورأسه عند الناظر ، وهذا سرّ اتّساع ميدان الرؤية ، وكلّما كان المرئى بعيدا يكون الاتّساع أكثر .
ثمّ إنّ الأجسام كلّما بعدت عن عين الناظر ترى أصغر ؛ وذلك لاتّساع زاوية الرؤية وضيقها ، فكلّما كانت الزاوية أضيق يكون الشئ أصغر في الرؤية ، وكلّما اتّسع انفراجها صار أكبر فيها .
ثمّ إنّ هنا أمرا آخر : وهو أنّ مقاديم بدن الإنسان خلقت على نحو فيها تحديب من الجبهة إلى القدم ، ولهذا كانت الخطوط الخارجة عن أجزاء المقاديم غير متوازية ، كأشعّة خارجة عن عين الشمس ، فلو كان البدن نورانيّا كالشمس ، كان النور الخارج منه قريبا ممّا خرج منها ، ويزداد بسط نوره واتّساعه كلّما ازداد الامتداد ، ولهذا يختلف التقابل بينه وبين الأجسام حقيقة ودقّة باختلاف البعد والقرب ، لا لخطأ الباصرة - كما قيل - لأنّ الخطوط الخارجة من مقدّم صدر الإنسان