جاء في هذا الدّعاء توكيد الخبر فيه بمؤكّدين : « إنّ - والجملة الإسمية » مع أنّ اللّه عزّ وجلّ أعلم به من نفسه ، فكيف يؤكد الخبر في دعائه لربّه .
أقول : لمّا كان الغرض من الخبر الذي اشتمل عليه الدعاء استعطاف ربّه واسترحامه ، صحّ أن يؤكّد زكريّا عليه السّلام شدّة استرحامه واستعطافه ربّه ، فهو يؤكّد الدّعاء المراد بعرض الخبر .
والاسترحام والاستعطاف هنا هو لازم الإخبار بأنّ عظمه قد وهن ، وأنّ رأسه اشتعل شيبا ، وفي الدّعاء يحسن التوكيد ، لأنّه بمثابة الإلحاح فيه .
( 2 ) ومن طرائق الإطناب : « وضع الاسم الظاهر موضع الضمير » لداع أو أكثر من الدواعي البلاغية ، ومن هذه الطريقة في السّورة ، قول اللّه عزّ وجلّ بشأن النصارى الذين اختلفوا في حقيقة عيسى عليه السّلام :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 38 ) .
كان الظاهر أن يقال : « لكنّهم اليوم في ضلال مبين » لكنّ النّصّ جاء على خلاف هذا ، إذ وضع الاسم الظاهر :
الظَّالِمُونَ
بدل الضمير .
والداعي البلاغيّ الإعلام بأنّ الكافرين يدخلون في عموم الظالمين .
( 3 ) ومن طرائق الإطناب التوكيد بضمير الفصل ، ومنها في السّورة ، ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عن قول أبي إبراهيم عليه السّلام له :
قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ . . .
( 46 ) .
هذا تعبير قرآنيّ عمّا قاله الأب الوثنيّ الكافر ، لابنه النبيّ الرسول إبراهيم عليه السّلام .