قبيل نزول سورة ( مريم ) وضاقت بذلك صدور كثير منهم ، وعظم همّهم ، وصاروا يسألون اللّه الفرج ويترقّبونه .
فكان من الحكمة التّربوية معالجتهم ببشارة ربّانيّة ، تنزل في قرآن يتلى ، وهذه البشارة تنبئهم بأنّ حالتهم ستتبدّل قريبا ، فسيجعل اللّه لهم ودّا ، ومن طبيعة هذا الودّ أن يجرّ لهم قوّة ، ومنعة ، وعزّا ، ومجدا ، وأمنا ، ورزقا حسنا ، ثمّ انتصارات على أعدائهم ، وخيرا كثيرا ، ودنيا واسعة ، ومفتاح هذه الأمور كلّها الودّ الذي سيجعله اللّه لهم في قلوب بعض عباده .
وقد تحقّقت هذه البشارة لأصحاب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعد زمن غير طويل .
وكانت بداية تحقيق هذه البشارة في موسم حجّ ، التقى فيه الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم عند العقبة نفرا من أهل يثرب من الخزرج ، ستّة أو ثمانية .
فقال لهم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أنتم ؟ » .
قالوا : نفر من الخزرج .
قال : « أمن موالي اليهود ؟ » أي : أمن حلفائهم ؟ .
قالوا : نعم .
قال : « أفلا تجلسون إليّ أكلّمكم » ؟ .
قالوا : بلى . فجلسوا إليه ، فدعاهم إلى اللّه ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن .
فأسرعوا إلى قبول الإسلام ، لأنّ اليهود كانوا يقولون لعرب يثرب :
« إنّ نبيّا مبعوثا الآن قد أظلّ زمانه ، ونقتلكم ، معه قتل عاد وإرم » .
فتهامسوا فيما بينهم : « تعلمون - واللّه - أنّه النّبيّ الّذي توعّدكم به يهود ، فلا يسبقنّكم إليه » .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 654
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٥٤