تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
ويستقبلهم إخوانهم المسلمون في يثرب ، الّتي سمّاها الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك « المدينة » بودّ عجيب وإخاء لا نظير له ، وينزلونهم في منازلهم ضيوفا آمنين مرزوقين . وحمى الأنصار في المدينة إخوانهم المهاجرين إليهم ، ممّا يحمون منه أنفسهم ونساءهم وأولادهم . وكان هذا ثمرة ودّ وإخاء إيمانيّ صادقين ، جلبهما الإيمان الصّحيح القويّ الصادق . وظهرت من الأنصار لإخوانهم المهاجرين إيثارات عجيبات ، لا نظائر لها في تاريخ البشريّة ، أو نظائرها قليلة جدّا . ومنه ما رواه البخاريّ في صحيحه ، عن عبد الرّحمن بن عوف ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، آخى بينه وبين « سعد بن الرّبيع » الأنصاريّ ، فجاء سعد فعرض عليه أن يقاسمه ماله ، وقال له : انظر أيّ زوجتيّ أحبّ إليك أتنازل لك عنها ، حتّى إذا ما انتهت عدّتها تزوّجتها ، فأبى « عبد الرّحمن » وقال له : بارك اللّه لك في أهلك ومالك ، ولكن دلّني على السّوق ، فدلّه على السّوق ، فباع وابتاع ، حتّى صار له مال ، وتزوّج امرأة من الأنصار ، بوزن نواة من ذهب ، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أولم ولو بشاة » . وأقبلت الانتصارات للمسلمين ، وكان مفتاحها المودّة الّتي ألقاها اللّه عزّ وجلّ في قلوب من أسلام من أهل المدينة . وشواهد التاريخ كثيرة بشأن الودّ الّذي يلقيه اللّه عزّ وجلّ في قلوب بعض عباده ، للّذين آمنوا وعملوا الصالحات صادقين مخلصين صابرين ، ولا سيما الذين اضهدوا من أجل دينهم ، وجهادهم في سبيل ربّهم . وثبت في الصحيح أنّ اللّه عزّ وجلّ إذا أحبّ عبدا حبّب به عباده ، وهذا يدخل في الودّ الذي وعد اللّه أن يجعله للّذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ومنه ما يلي :