القرون السابقة ، كقوم عاد ، وقوم ثمود ، وقوم فرعون ، قد أهلكهم اللّه عزّ وجلّ إهلاكا شاملا مقرونا بتعذيب ، بسبب عنادهم وإصرارهم على الكفر ، وإمعانهم في جرائمهم ، مع أنّهم كانوا أحسن من كفّار مكّة في كلّ ما يفتخرون به على المؤمنين المسلمين ، من أنّهم خير مقاما وأحسن نديا ، فلم يغن عنهم شيئا ما كانوا يتمتّعون به من زينة الحياة الدّنيا ، وما كانوا يفتخرون به ، من أجسام حسنة معجبة ، ذوات بهاء ورونق وجمال .
إنّ الاغترار بمظاهر الحياة الدنيا سمة الّذين ليست لهم عقول يعقلون بها أهواءهم وشهواتهم ، عن أن تنطلق بهم إلى مهالكهم .
وهذا الرّدّ القرآنيّ قد تضمّن حجّة صحيحة تقبلها العقول السّليمة ، إذ هي مستندة إلى واقع من التاريخ البشريّ ، فوقائع التاريخ الّتي تعرف أسبابها تتضمّن حججا صحيحة من الدرجة الأولى ، وقد تصل إلى مستوى الحجج البرهانيّة .
قول اللّه عزّ وجلّ مخاطبا المؤمن الداعي إلى سبيل ربه :
قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً
( 75 ) :
تمهيد :
بعد تقديم الحجّة الدامغة في الآية السابقة ( 74 ) أبان اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية ( 75 ) سبب كون الّذين كفروا يتمتّعون بزينة الحياة الدنيا وأموالها وزخرفها ، وهو أنّ اللّه بحكمته - جلّ جلاله وعظم سلطانه - يمدّهم بعطاءات رحمته ، ليوفّيهم نصيبهم المقدّر لهم من متاعات الحياة الدّنيا ، في ظروف امتحانهم الامتحان الأمثل .
وعلى طريقة التّنويع في الأساليب البيانيّة كلّف اللّه الداعي إلى