فآدم قد خلقه اللّه من تراب دون أب ولا أمّ ، ولم يكن ذلك سببا لأن يدّعي أحد إلهيّته أو ربوبيّته ، أو أنّه ابن اللّه ، أو نحو ذلك من ضلالات .
ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ :
أي : وبعد أن صوّره اللّه من تراب ، ومرّت عليه مدّة متراخية مرّ فيها بمراحل الطين اليابس ، فالصّلصال المشابه للفخار ، قال اللّه : كن فكان كما قدّره اللّه وقضاه .
كان الظاهر أن تأتي العبارة : « كن فكان » لا
كُنْ فَيَكُونُ
لكن جاء النّصّ على خلاف الظاهر ، والحكمة في هذا الإشعار بأنّ آدم قد انطبق عليه القانون الرّبّانيّ العام في الخلق ، وهو قانون :
كُنْ فَيَكُونُ
والتقدير : ثمّ قال له : كن فكان ، مجريا عليه القانون العامّ في خلق اللّه لكلّ شيء : وهو قانون :
كُنْ فَيَكُونُ .
*
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
( 60 ) :
أي : هذا الّذي نتلوه عليك من القرآن ، هو الحقّ المنزّل من عند ربّك ، أيّها المتلّقي لهذا القرآن أيّا كنت ، فلا تكوننّ من الممترين ، أي :
فلا تكوننّ من الشّاكّين ، ولا تكوننّ فيه من المجادلين .
مِنَ الْمُمْتَرِينَ :
أي : من الشّاكين ، ومن المجادلين . يقال لغة :
امترى في الشّيء ، أي : شكّ فيه ، والتماري والمماراة ، هي المجادلة على مذهب الشّكّ والرّيبة ، ويقال للمناظرة مماراة ، لأنّ كلّ واحد من المتناظرين ، يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه ، كما يمتري الحالب اللّبن من الضّرع .
وبهذا انتهى تدبّر الدّرس الثاني مع تدبّر نصوص متعدّدة موزّعة في سور القرآن ، تتعلّق بما جاء فيه بشأن مريم وعيسى عليهما السّلام .
والحمد للّه على معونته ، وتوفيقه ، وفتحه ، إنّه الوهّاب الكريم .
* * *