أي : إنّي فاصل بين روحك الممدّة لك بالحياة الإراديّة ، وبين نفسك ، ويظهر أنّ هذا الفصل قد كان من قبيل النوم العميق جدّا ، الّذي تنفصل فيه الرّوح انفصالا جزئيّا تنعدم به الحركة الإرادية ، وهو شبيه بالتّخدير الشّامل لإجراء العمليّات الجراحيّة .
فقد جعل اللّه عزّ وجلّ التّوفّي تعبيرا قد يدلّ على الفصل الكلّي الّذي يحدث به الموت ، وقد يدلّ على الفصل الجزئي الّذي يحدث بالنوم .
ويدلّ على هذا قول اللّه تعالى في سورة ( الزّمر / 39 مصحف / 59 نزول ) :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 42 ) .
ويدلّ على أنّ التّوفّي الّذي أنزله اللّه عزّ وجلّ بعيسى عليه السّلام ، هو من نوع الفصل الجزئيّ بين روحه ونفسه أمران :
الأمر الأوّل : قول اللّه له في النصّ :
وَرافِعُكَ إِلَيَّ
إذ لا ميزة لرفع جسده إلى السماء مع الموت ، لكنّ اللّه عزّ وجلّ قد رفعه إلى السماء تطهيرا وتكريما دون أن يميته .
الأمر الثاني : أنّ اللّه سينزله إلى الأرض ليؤدّي وظائف عظيمة في الناس ، وسيؤمن به جمهور من أهل الكتاب كانوا به كافرين ، ويكون هذا قبل موته ، وقد دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( النساء / 4 مصحف / 92 نزول ) :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً
( 159 ) .