« انتبذت » معنى فعل « حلّت » فعدّي تعديته ، فنصب « مكانا » ، على أنّه مفعول به .
ودلّت العبارة على أنّ اعتزالها لم يكن خارجا عن حدود مساكن أهلها ، بل كان ضمن حدودها ومنها ، ودلّت على أنّ المكان الذي اعتزلت فيه يقع إلى جهة مشرق الشمس ، بالنسبة إلى سائر أماكن أهلها الّتي ابتعدت عنها في عزلتها .
قول اللّه تعالى :
*
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً :
فَاتَّخَذَتْ :
أي : فجعلت بتكلّف ، وإجراءات عمرانيّة .
مِنْ دُونِهِمْ ؛
أي : من أمام نظر أهلها ، أو من جهتهم حيث امتداد نظرهم .
حِجاباً :
أي : ما يحجب أنظارهم عن رؤيتها ، عفّة وطهارة في حال تكشّفها ، وبعدا عن الرّياء ، وحرصا على الإخلاص للّه عزّ وجلّ في أحوال عباداتها .
قول اللّه تعالى :
*
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا :
أي : فأرسلنا عقب اعتزالها واتّخاذها الحجاب إليها روحنا الّذي هو جبريل عليه السّلام ، رسولا لأداء رسالة كلّفناه القيام بها .
وقد جاء وصف جبريل عليه السّلام بأنّه روح في عدّة نصوص قرآنية .
يتحدّث الرّبّ جلّ جلاله في هذه العبارة بضمير المتكلّم العظيم ، لأنّ الموضوع يتعلّق بعظمة الرّبوبيّة في الخلق بخارق للعادة مقرون بحكمة جليلة .