تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
فمن هذه الأحاديث ومن غيرها من الأدلّة نفهم أنّ المراد بعبارة :
وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
تفضيلها على نساء العالمين في زمانها ، أو تفضيلها على كلّ نساء العالمين ليكون بطنها هو المختار ليحمل ويمدّ بالغذاء نبيّ اللّه ورسوله عيسى عليه السّلام بنفخ جبريل عليه السّلام نفخة واصلة إلى انعقاد الجنين في بطنها ، ويقوّي هذا المعنى عطف جملة :
وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
على جملة :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ
فدلّ العطف على التّغاير بين الاصطفاءين . *
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
( 43 ) . هذا النداء من توابع قول الملائكة لها ، والغرض منه متابعة تربيتها على القيام بأنواع العبادات لربّها .
اقْنُتِي لِرَبِّكِ :
أي : أطيعي ربّك واخضعي له . القنوت : هو في اللّغة الطّاعة والخضوع ولوازمها ، يقال لغة : قنت اللّه ، وقنت له ، أي : أطاعه ، وخضع ، وذلّ له . والمعنى : أقنتي لمن يتعهّدك دواما بربوبيّته ، ولهذا اختير هنا من أسماء اللّه اسم الرّبّ ، الدّالّ على صفات الرّبوبيّة . والقنوت يشمل كلّ الطاعات والعبادات والقربات وأعمال البرّ والإحسان . ولمّا كانت الصّلاة الشّرعيّة المشتملة على الرّكوع والسّجود يجب أن تحظى من العابد لربّه بعناية خاصّة ، قالت الملائكة لها .
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ :
قدّم في هذه العبارة السّجود ، لأنّ العبد أقرب ما يكون من ربّه وهو ساجد .