تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
يكن لهذا الجدول المائيّ وجود في المكان ، ولم يكن للرّطب وجود في جذع النخلة ، وكان كلّ ذلك تثبيتا لها حتّى تتابع بقوّة وشجاعة وصبر ما كلّفها اللّه أن تعمله بشأن الوليد المعجزة عيسى عليه السّلام . قالوا : ووضعت الطّفل « عيسى » في معتلف للدّوابّ ، وكان ذلك مهد طفولته بعد الوضع . وحملت وليدها بشجاعة وثبات
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا
( 27 ) : أي : لقد جئت شيئا عجيبا من أحداث الدّهر ، أو جئت بدعا من الإثم ، وأخذ بعض القوم يقولون عن مريم بهتانا عظيما . يقال لغة : جاءه ، وجاء به ، أي : أحضره وأتى به . وقالوا لها أيضا كما جاء في سورة مريم :
يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
( 28 ) . فلاذت بالصّمت ، وأشعرتهم بأنّها قد نذرت صوما عن الكلام بحسب شريعتهم ، وأشارت إليه أن يكلّموه ، كما قال اللّه تعالى :
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
( 29 ) ؟ ! ويظهر أنّهم وجّهوا له الخطاب بغية إحراجها ، إذ تصوّروا أنّه لن يجيبهم بشيء ، فأنطق اللّه الطّفل عيسى عليه السّلام :
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
( 33 ) . قالوا : وابتعدت مريم بولدها عن قومها وسافرت ، فآواهما اللّه إلى مكان ربوة ذات قرار آمن ، وفيها ماء معين طاهر صاف .