تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
ثمّ جاءت العلوم المعاصرة فأثبتتها بالأدلة والشواهد العلميّة . وحدوثها يجعل العقل السليم يجزم بأنّ لها خالقا خلقها ، دون أن يكون لديه شكّ أو ريب في هذا الأمر ، إذ المعدوم لا يمكن أن يتحوّل إلى موجود بنفسه ، فلا بدّ له من موجد قد أوجده ، وبما أنّ بقاءه في الوجود يحتاج إلى إمداد له بالبقاء ، وبما أنّ التغييرات الّتي تحدث فيه لا بدّ لها من فاعل متصرّف ، فالخالق لها لا بدّ أن يكون مهيمنا عليها بصفات ربوبيته لها . والأدلّة العلميّة الّتي لا بدّ أن يتوصّل إليها العلماء البحّاثون مهما طال الزمن ، تدلّ على أنّ خلق السماوات والأرض قد مرّ في ستّة أطوار ضمن ستّ أحقاب زمنيّة ، جاء التّعبير عنها في القرآن بعبارة :
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ .
ودفعا لتوهّم أنّ الخالق الرّبّ حالّ في أجرام السّماوات والأرض ، حلول مقارنة أو حلول اتّحاد ، أبان النّصّ أنّ اللّه الرّبّ جلّ جلاله قائم بذاته ، مباين لما خلق ، فجاءت فيه عبارة :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
إذ العرش أعظم ما خلق اللّه في الكون ، وهو في السّماء أعلى ما خلق ، فهو سبحانه مستو من فوق العرش ، وهو العليّ الأعلى ، وهو مباين لكلّ ما خلق . * ( الظاهرة الثانية ) : من ظواهر ربوبيّة اللّه جلّ جلاله الواردة في هذا النصّ : أنّه يغشي اللّيل النّهار يطلبه حثيثا . قال اللّه عزّ وجلّ فيه :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً .
أي : جعل اللّه الرّبّ بتسخيره بعض ما خلق في كونه النّهار يغشى بضوئه المنبعث من الشمس سواد اللّيل فيستره ويغطّيه ، وجعل نظام حركة
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 317 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني