تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
وكفر هؤلاء هو كفر جزئيّ ببعض عناصر ربوبية الرب الخالق سبحانه وتعالى عمّا يشركون ، وشرك في إلهية اللّه ، مع أنّ اللّه عزّ وجلّ واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيّته . وهنا نلاحظ أنّ معظم المشركين يعتقدون في شركائهم أنّهم ينفعونهم ، ويدفعون الضّرر عنهم ، أو ينزلون الضرر بخصومهم ، فهم من أهل هذا الصنف مشركون شركا في الربوبية وفي الإلهيّة معا . الصنف الثالث : الذين يعتقدون فيمن يعبدونهم أنهم هم الأرباب ، وأنه لا خالق للسماوات والأرض ولا متصرّف فيهما إلا أربابهم التي يعبدونها ، فمنهم أهل التثنية ومنهم أهل التثليث ، ومنهم من يعدّدون الأرباب فوق ذلك . وأهل هذا الصنف لهم أرباب يجعلونها مشتركة فيما بينها في الرّبوبية وتصاريفها في الكون ، وقد يجسّدونها في أجساد مادّية ، أو يعتقدون أنها قد تحلّ في أجساد مادّيّة ، أو تظهر بصور بشريّة . وكفر هؤلاء كفر بكلّ عناصر الرّبوبيّة الّتي يختصّ بها اللّه عزّ وجلّ ، إذ يتّخذون أربابا باطلة غير اللّه عزّ وجلّ ، ويكافرون باللّه الحقّ كفرا من الدّرجة القصوى ، وكفر هؤلاء يساوي كفر الملاحدة المادّيين الذي يجحدون وجود أيّ ربّ لهذا الكون ، إنهم يجعلون المربوبين أربابا . وعبادة هؤلاء كلّها تكون لغير اللّه الذي لا ربّ غيره ، ولا إله إلا هو ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لا يقبل في عبادته شركا . وقد سار الإقناع الفكريّ في القرآن المجيد لكلّ أصناف المشركين على أساس إقامة البراهين الدّالّة على أنّ اللّه عزّ وجلّ هو واحد في ربوبيته ، مع بيان أنّ العبادة لا تكون إلا للرّبّ ، وذلك بمقتضى بديهة العقل ، واللزوم الفكري ، فالعبادة حقّ الرّبّ وحده ، وبما أنّ الربّ واحد